الذين يحاولون احتكار الله

المنتشر في خطابنا الإسلامي التقليدي اليوم في عالمنا الإسلامي هم علماء ممن حاولوا احتكار الله، بمعنى أنهم يشعرون أن الحق معهم هم لا مع غيرهم، وكل مَن يخالفهم هو على باطل، هذا إن لم يكفرّوه.

ما حدث مؤخراً بعد الاعتداء الإرهابي في إسطنبول من تعليقات لبعض رواد وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الدارس لدين الله يشعر بغثيان يجعله يتقيأ دماً ودموعاً، فبعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي حكموا للشهداء في إسطنبول بالنار، ورموا عرض النساء منهم، كل هذا يحدث وعلماء الأمة يشاهدون بصمت إلا ما ندر منهم.

المحتكرون لله لا يخبرونك قط برأي الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان -رضي الله عنه- في إباحة النبيذ غير العنبي، ولا يستطيعون أن يخبروك برأي الإمام ابن حزم في الغناء، ومن المستحيل أن يذكروا لك أن إجماع العلماء المعتبرين في الأمة هو على جواز كشف وجه المرأة.

المحتكرون لله سوف يبدّعونك وربما يكفرونك لو أتيت لهم بمثل هذه الأقوال لهؤلاء العلماء، المحتكرون لله يرون أنهم الوكلاء المطلقون لله منذ القدم، ومثال ذلك في الخطاب الإسلامي التقليدي هو كتاب ابن القيم: (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، أي أن العلماء هم الموقّعون نيابةً عن الله في الأرض بالفتاوى التي يصدرونها، مثل هذا الكتاب وغيره رسخ مفهوماً خطيراً في الوعي الجمعي للخطاب الإسلامي، وجعل الكثير من العلماء يعتقدون في أعماقهم وعلى المستوى اللاوعي أنهم يمثلون الله على الأرض، هذا الشعور الجمعي في الخطاب الإسلامي التقليدي جعل الكثير من العلماء يبدّع ويكفّر مخالفيه بسهولة جداً.

مع كامل الاحترام للإمام ابن القيم، إلا أنه كان مخطئاً في هذا الاعتقاد، وفي هذه التسمية للكتاب، بغض النظر عن تفاصيل محتواه.

لا يوجد فرق البتة بين مَن يعتقد أنه يوقّع نيابةً عن الله وبين الكهنوت البابوي في المسيحية، البابوية التي اعتقدت أنها تمثل إرادة الله على الأرض، وتعطي نفسها حق منح صكوك الغفران، هي نفس البابوية التي صنعت محاكم التفتيش في أوروبا، وأمرت بالحروب الصليبية، هي نفسها تلك التي شرعت للمحتلين والمستعمرين الأوروبيين احتلال قارتَي أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية.

احتكار الله في الخطاب الإسلامي التقليدي صنع القاعدة وداعش؛ لأنه لو كان هناك خطاب إسلامي ناضج لربما لم يمنع ظهور هذه الجماعات، ولكنها لم تكن أبداً لتكون بهذه القوة، لدرجة أن تكون "دولة" كما في العراق وسوريا اليوم.

لذلك عندما وجدت القاعدة وداعش أسباب الظهور السياسية والاستخباراتية، وجدت في نفس الوقت أرضاً خصبة من التطرف في الخطاب الإسلامي، فنبت فيها نبت العنف حتى دون سقاية تلك الأرض بالماء.

إذا لم نعترف بوجود مشكلة في الخطاب الإسلامي التقليدي، فإن الأسوأ على وشك الظهور، ولا أدل على وجود مشكلة في هذا الخطاب من عدم استنكار الكثير من علماء الأمة للاعتداء الإرهابي في إسطنبول، ولو حدث نفس الحدث في دولة أوروبية لما تأخَّروا لحظة عن الاستنكار، والفرق الوحيد أن من كان في الملهى من المسلمين؛ وفي فكر هؤلاء العلماء -على المستوى اللاوعي- فكأنهم يقولون: ماذا ذهب بهم إلى هناك؟

لم تتحرك الإنسانية في هؤلاء العلماء عندما وجدوا موجة هائلة من الشماتة في شهداء هذا الاعتداء الإرهابي، لدرجة أن بعض السفهاء من العامة حكم للشهداء بالنار، وقذف أعراض النساء منهن، ورغم كل ذلك صمت الكثير من العلماء ولم يستنكروا.

هؤلاء المعلّقون بالشماتة والسوء في مواقع التواصل الاجتماعي يحاولون بعقولهم القاصرة احتكار رحمة الله، وحكموا لشهداء إسطنبول بالنار مباشرة، وكأنهم وكلاء الله المطلقون في الأرض، وكأن ما يقولونه وحي يوحى، وكأنهم أزاحوا الإله ولعبوا دوره، والأسوأ هو مَن رد عليهم ووصف الملهى بالمطعم فقط، كأنه يقول بطريقة أخرى: "لو كان ملهى ليلياً فلكم الحق في ردودكم هذه، ولكنه ليس كما تظنون، إنه مطعم وليس ملهى"، أي أنه لو كان ملهى لاستحقوا الموت.

ذلك وبغض النظر عن حقيقة طبيعة المكان، أكان مطعماً أم ملهى ليلياً، أما أنا فأقول إنه ملهى، ولا ضير، فمن الذي جعل الذهاب لملهى ليلي حراماً وجريمة وتكون عقوبتها الموت؟

الذين يحاولون احتكار الله في الخطاب الإسلامي هم سبب هذه اللعنة التي أصابت هؤلاء المعلقين، وما أدرى هؤلاء المعلقين برأي الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في إباحة النبيذ غير العنبي ورأي ابن حزم في الغناء؟ وكلاهما له أدلة لغوية وشرعية لا تقل قوة عن المحرمين لهذه الأمور، لربما هؤلاء الشهداء أخذوا بآراء الإباحة هذه وذهبوا للملهى الليلي على هذا الأساس، وحتى ولو لم يعلموا بهذه الآراء أو أخذوا بها، فإنهم إن شاء الله يدخلون في دائرة من أخذ بها، لسبب بسيط جداً أن من حاولوا احتكار الله توافقوا وتواطأوا تاريخياً على قتل وإخفاء هذه الآراء عن العامة من الناس، وبذلك لم يعلم بها أكثر العامة، بل وأكثر طلاب العلم المبتدئين، ولكن مَن فعل ذلك قصداً من العلماء فإنه يخاف عليه من أن يدخل في باب كتمان العلم.

نقلت "بي بي سي" البريطانية تقريراً مطولاً عن هذا الاقتتال المحموم في وسائل التواصل الاجتماعي العربية بين مؤيد ومعارض للترحم على الشهداء الذين قتلوا غيلة وغدراً؛ لأن هذا الأمر أخذ صدى واسعاً في تلك المواقع، ماذا سيقول العالم عندما يعلم أننا لا نترحم على شهدائنا فقط لأنهم كانوا في ملهى ليلي؟ هل يذهبون للمراكز الإسلامية ليعلنوا إسلامهم في هذه الحالة؟ لماذا إذاً نغضب بأن يصفنا العالم بالإرهاب؟ أَوَليس بيننا متطرفون يقتلونك حياً وميتاً؟ حتى ولو كنت مسلماً؟ أَوَليس علماؤنا يشاهدون هذا المنكر ولا يتكلمون؟ ولكن أبشّر هؤلاء الصامتين بأن داعش سيصل لرقابهم لو استمروا بالسكوت عنه.

‏يقول يزيد بن حاتم: "ما خفت شيئاً قط مثل خوفي من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبي الله، الله بيني وبينك".

هذه المحاولة الفاشلة لاحتكار لله لم تصنع داعش فقط، بل زادت من منسوب الإلحاد في العالم العربي، وقد كنت شاهداً على أحد مَن ألحد في مواقع التواصل الاجتماعي بسبب التعليقات التي قرأها من هؤلاء المعلقين.

الإسلام لم يكن يوماً ضد الفرح، لم يكن الإسلام يوماً ضد الإنسان، الإسلام أتى ليحرر الإنسان من العبودية، الإسلام أحوج ما يكون الآن لمجدد إسلامي كما هو مارتن لوثر كينغ في المسيحية، وإذا لم يأتِ هذا المجدد فلننتظر مزيداً من التطرف والإلحاد معاً في عالمنا.

المجد والخلود لشهداء إسطنبول في عالم الأبد، واللعنة وعار الدهر والأبد على مَن شمت فيهم وتألَّى على الله وحكم لهم بدخول النار، ولتكن مشيئتك يا الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك