الأردن والسعودية في إقليم متحرك.. هل تسعى عمّان لتحالفات جديدة؟

تعاملت السعودية بردة فعل "منخفضة" السقف تجاه قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، مقارنة بالموقف الأردني، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي. وكان هذا واضحا من خلال تأخر إعلان الموقف السعودي من القرار، إضافة إلى مستوى التمثيل المنخفض للرياض في قمة القدس في إسطنبول، وتعاطي الإعلام السعودي ببرود، سواء مع الاحتجاجات على القرار، أو مع قمة اسطنبول، أو مع ردود الفعل العالمية الرافضة لخطوة ترامب، بينما شارك الأردن بالقمة على أعلى مستوى، كما كرس الإعلام الرسمي والخاص تغطياته على متابعة التطورات المتعلقة بالقدس.

ويرى مراقبون أن السعودية كانت على علم مسبق بالقرار الأمريكي الخاص بالقدس، وأنها بالحد الأدنى كانت قادرة على "إقناع" ترامب بالتراجع عن قراره، وتحذيره من ردة الفعل على مثل هذا القرار، إلا أن الرياض تعاملت مع قضية القدس "كورقة يمكن مقايضتها في سياق تنافسها الجيوسياسي مع إيران، في حين يتعامل الأردن معها كقضية وجودية"، كما قال المحلل السياسي الأردني حسن البراري.

وقد أبدى الأردن معارضة كبيرة لقرار الرئيس الأمريكي ترامب الخاص بالقدس، مفعما بقدر عال من القوة والثقة بالنفس، و تجلى ذلك بالتحرك الهادئ للملك بالتزامن مع خطاب رسمي بنبرة واضحة ومسموعة، مفاده أن الأردن منزعج من القرار لكنه غير مرتبك وأن أوراقه معدة بعناية. فما هو مصدر تلك الثقة؟ وما هي الأوراق القوية التي تعطي عمان هذا القدر من الأريحية بالتحرك الرافض للقرار وتمكنها من مجابهة ابتزاز متوقع؟ في ظل ضائقة اقتصادية لطالما استُخدمت ضده بكل فجاجة ودون مواربة أو تجميل. وهل يمكن اعتبار التحرك الأردني تجاه تركي خطوة في اتجاه استخدام أوراق القوة؟

فقد بدأ التحرك الأردني مباشرة باتجاه تركيا التي اشتدت منافستها للسعودية على زعامة العالم الإسلامي في الأعوام العشر الأخيرة. هذه المنافسة تجلت مع انطلاق أحداث "الربيع العربي"، حين وجدت السعودية أن "زعامتها" للإسلام "السني" مهددة لصالح تركيا، خصوصا بعد أن وثقت الأخيرة علاقاتها مع حركة الإخوان المسلمين وعملت إلى جانب قطر على دعم القوى الجديدة التي وصلت للحكم في دول "الربيع العربي"، فيما كانت السعودية في الجانب الآخر تعمل للحيلولة دون نجاح تلك الثورات التي اعتبرتها موجهة ضد النظام العربي القديم الذي تمثل الرياض أحد أركانه، إضافة إلى تخوفها من أن نجاح الثورات قد يفضي إلى تحالفات عربية قوية مع تركيا ما يساهم في سحب "عرش الزعامة" من السعودية.


وكان الأردن في السنوات الخمس الأخيرة حليفا قويا للسعودية، وداعما مهما لسياساتها في الملفات الساخنة في المنطقة، وتحمل في سبيل ذلك ضغطا شعبيا واقتصاديا كبيرا لم تتعامل معه السعودية بما يتواءم أو يوازي قيمته، وبدلا من ذلك، فقد انتهجت سياسة أقرب لتهميش الدور الأردني بمجمله وبدت أكثر وضوحا في العام الأخير وصولا للموقف المتباين بين البلدين إزاء القرار الأمريكي بشأن القدس.

و لذلك فإنه يمكن اعتبار التحرك الأردني باتجاه تركيا كرسالة فورية رداً على السياسة السعودية المتمثلة في موقفها من القدس على وجه التحديد، ومحاولة القفز عن الأردن في مجمل الأوضاع، بحيث تريد عمان أن تقول أنها قادرة على إدارة الدفة والإبحار باتجاهات مختلفة في حال واصلت السعودية سياساتها.

ومن المحتمل أن تكون السعودية لم تدرك أن الأردن يمتلك أوراقا عديدة ومهمة، وأنها لا تستطيع الاستغناء عنه بسبب أهمية الملفات المشتركة بين الطرفين.

ستدرك السعودية في قادم الأيام أن الموقع الجيوسياسي للأردن في خريطة العالم فرض عليه أن يكون دولة محورية، وأن أي وضع أو قرار سياسي يتبناه الأردن يؤثر بالسلب أو الإيجاب على المنطقة والإقليم، وأن محاولة تهميشه أو تَخطيه تعدّ قفزة في المجهول. الأمر الذي يدفعها لإعادة حساباتها، خاصة أن الأردن ترك الباب مواربا في كثير من الملفات، كالملف السوري والعلاقة مع الإخوان المسلمين وحركة حماس.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك