هل وصلت العلاقات التركية الأمريكية نقطة اللاعودة؟!

"إنّ قرارَ ترامب لا يمت بصلةٍ للإنسانية، القدسُ خطٌ أحمر، وأمريكا تدعمُ الإرهابيين في سوريا".. بهذه الجُمَلُ النّارية الواضحة بمعانيها ومراميها خاطب الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان؛ الولايات الأمريكية المتحدة، في دلالة واضحة على اتّساع فَجوة الجفاء بين البلدين. فهل وصلت العلاقةُ بينهما نُقطة اللاعودة؟ أم ما زالت نُقطَةُ اللاعودة بعيدةً، فما يجمعهما من مصالح أكثر ممّا يباعدهما؟

ترجعُ العلاقاتُ التركية الأمريكية استراتيجياً لعقود، وتحديداً عام 1952م، تاريخ انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي حيث مثّلت الولايات المتحدة نموذجاً مبهراً للقيادات التركية الحاكمة التي أعلنت القطيعة مع تاريخها العثماني ومحيطها الإسلامي منذ عام1923م، فغدت تركيا مكتبَ خدمات للولايات المتحدة في المنطقة.

فالحربُ الباردةُ في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ جعلت تركيا ورقة مهمة ولاعباً أساسياً لا تستطيع الولايات المتحدة الاستغناء عنه، لكنّ ذلك لم يمنع تعكّر صفو العلاقات بين البلدين عام 1964م بسبب قضية قبرص، وعام 1974م من أجل القضيّة ذاتها؛ عندما تدخلَ الجيشُ التركي عسكرياً لصالح القبارصة الأتراك لتدخل العلاقات نفقاً مظلماً، حيث جُمّدت الحياة السياسية بينهما قرابة سبع سنوات؛ شهدت بعدها تركيا عام 1980م انقلاباً عسكرياً مهد لانفراج العلاقات، حيث خاطب السفير الأمريكي حينها القيادة الأمريكية: لا تقلقوا.. أولادنا من نفذوا الانقلاب.

وما أشبه اليوم بالأمس، فثمة خطوط تقاطع وتشابه كثيرة مع الماضي القريب، لكنّ الرياح اليوم جرت خلاف ما تشتهي السفن الأمريكية.

إن استعراضَ نقاطِ الخلاف الكثيرة اليوم بين الأتراك والأمريكان تَدفعُ المتابع للاعتقاد بأنّنا وصلنا نقطة اللاعودة أو نَكاد، ولم تَصِل العلاقاتُ لهذه النُّقطة بين عشية وضحاها، إنما سبق ذلك خطوات وتراكمات وتغيّرات عميقة في الداخل التركي، فمع وصول حزب العدالة عام 2002 م للحكم تغيّرت الخطوط العريضة للسياسة الحاكمة، إذ عملت الحكومة التركية على التّصالح مع الإرث العثماني من جهة والانفتاح على العالمين العربي والإسلامي، ومد جسور التّواصل من جهة ثانية. وربما هذا ما جعل الغرب، والولايات المتحدة تحديداً، تتوجس خيفةً من تركيا وتعاظم نفوذها إقليمياً. فلم تعد تركيا خادماً مطيعاً ينفذ المطلوب، وظهرت أولى المؤشرات على ذلك عام 2003م، عندما رفض البرلمان التركي تنفيذ الطائرات الأمريكية غاراتها على العراق انطلاقاً من الأراضي التركية. فتركيا لم تَعُد تابعاً.

واتّضحت الصورة مع انطلاق ثورات الربيع العربي، حيث دعم الأتراك مسار التحول الديمقراطي في البلاد العربية فقدّمت دعمها للثورة السورية واحتضنت المعارضة والسوريين، ودعمت الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، ورفضت انقلاب السيسي الذي تقبله الغرب، والذي تدور شكوك حول مشاركته في صناعته بدعم من قوى إقليمية تدور في الفلك الأمريكي.

وبالعودة لعام 1974م وعام 2017م، نجد رابطاً مشتركاً لنقطة اللاعودة. فالأتراك تدخلوا في قبرص استجابةً للنداء القومي وحِمايةً للأمن القومي، غيرَ مكترثين بالعالم أجمع عندما تعلق الأمر بأمنهم القومي. واليوم يشعر الأتراك بأنّ الولايات المتحدة تتلاعب بأمنهم القومي، وتهدد استقرار بلادهم الداخلي عبر دعم حزب "ب ي د"، الابن الشرعي لحزب العمالي الكردستاني وَفقَ ما يرى الأتراك.

وباتت مخاوف الأتراك وظنونهم حقائق، ولا سيما إذا علمنا أنّ إدارة أوباما نكثت بوعودها فيما يخصُّ قوات الحماية الكردية بداية، واستمرار إدارة ترامب السير على النّهج ذاته لاحقاً. وقد عبّر أردوغان عن امتعاضه وغضبه من سلوك الإدارة الأمريكية؛ صَراحة عند لقائه ترامب.

وإن نجح انقلاب 1980م بمساعدة الولايات المتحدة، وجاء بأولاد أمريكا، فإنّ انقلاب 2016م باء بالفشل الذريع رغم مساعدة الولايات المتحدة، ومشاركتها في التّخطيط له وفق اعتقادات كثير من الأتراك، ولا سيما بعد المعلومات التي حصلت عليها تركيا نتيجة سلسلة التحقيقات مع الانقلابيين وجماعة الكيان الموازي، ومنهم "متين طوبوز"، الموظف في القنصلية الأمريكية الذي أثار اعتقاله سخط الأمريكان، وسبّب أزمة التأشيرات بين البلدين؛ التي أثبتت أنّ تركيا تتعامل مع الولايات المتحدة تعامل النّد للند، في قطيعة تامّة لمرحلة التّبعية.

ويرى متابعون أنّ موقف الأمريكان من الوحدات الكردية بدلاً من أن يكون ورقة ضغط تُمارس على تركيا تحولت لعبء على الأمريكان. فبدلاً من ابتزاز تركيا، قام الأتراك باستدارة نحو الروس، وبنوا معهم شراكة استراتيجية أكدتها القمم الكثيرة بين بوتين وأردوغان، ومن نتائجها صفقة "S400"، ومدوا جسور التعاون مع إيران للوقوف في وجه المشاريع الكردية الانفصالية، وإحداث انفراجةٍ ما في سوريا.

وقطعت تركيا بذلك الطريق على الأمريكان الذين أرادوا من تركيا أن تكون تابعاً فرفضت تركيا المشاركة بالحرب على الإرهاب الداعشي لمشاركة حزب "ب ي د". إذ يرى الأتراك عبثية الانتصار على تنظيم إرهابي بواسطة تنظيم إرهابي، وقادت تركيا عملية عسكرية مستقلة "درع الفرات" حررت فيها الريف الشمالي لحلب من داعش.

وكسبت تركيا معركة كردستان العراق، إذ لم تستطع الولايات المتحدة الاعتراف باستقلال الإقليم؛ لإدراكها أنّ ذلك يعني عداء صريحاً للأتراك، ودخولاً في صراع معهم لما يشكله موضوع الكرد من حساسية للأتراك في حين تريد هي ابتزازهم وتراهن على إعادتهم لمسار التبعية كشأن كثيرين بالمنطقة، سواء عبر الانقلاب أو الضغوط، وساهمت الولايات المتحدة بسياساتها المرتبكة، دون أن تشعر بدعم حكومة العدالة داخلياً فقضايا الأمن القومي توحد الأتراك على اختلاف مشاربهم. وجاء قرار اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ليزيد التلاحم بين الشعب والقيادة التركية من جهة، وليزيد الشرخ بين تركيا والولايات المتحدة من جهة ثانية.. فأكدت قمة إسطنبول أنّ تركيا أخذت في خط الاستقلال شوطاً بعيداً ولم تعد تابعاً، وستكتب نقطة اللاعودة في علاقتهما في سوريا. فالأمريكان أمام خيار المضي بدعم الأحزاب الكردية في مشروعهم في الانفصالي، أو البحث عن مخرج يرضي الأتراك، وهذا ما يتوقعه المراقبون، ولا سيما بعد أن قلّمت معظم الأظافر الأمريكية داخل الدولة التركية العميقة، وغدا الانقلاب مستحيلاً، على الأقل في المدى المنظور.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك