كيف أصبح المداخلة عناصر بقوات حفتر؟ داعية يوضح لـ"عربي21"

أكد عضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الداعية الليبي، ونيس المبروك، أن تيار "المداخلة" ينتشر بقوة كبيرة في ليبيا، وأن أتباعه تحولوا إلى حلفاء وجنود عسكريين في قوات قائد عملية الكرامة، خليفة حفتر، ولديهم ارتباط مباشر بتوجهات دول الخليج في ليبيا".

 

وأوضح في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "هذا التيار مدعوم دعما لا محدود بالمال والغطاء الأمني والمخابراتي والإعلامي والعسكري، وبالتالي فمن السهل انتشارهم، ودخول الشباب معهم، إما قناعة أو خوفا أو طمعا، ولا يوجد الآن أي فرصة لحوارهم أو رفع قضايا في حقهم؛ نظرا للدعم " المطلق " في هذه المرحلة".

 

ووصف المبروك هذا التيار ومؤيديه بأنهم "تيارات "وظيفية"، وإن كانت مقاصدها حسنة، فبمجرد انتهاء وظيفتها، ستعود إلى وضعها الطبيعي، كتيار له أفكار، وهنا يمكن حواره ونقده، وبيان أخطائه بالحجة والبرهان".

 

وحول قوة الإخوان في ليبيا ومشاركتهم في الانتخابات المقبلة، قال الداعية الليبي: "حسب معلوماتي، إخوان ليبيا تحاول الآن الخروج بمقاربة دعوية وطنية جديدة، تستفيد فيها من أخطاء الماضي، وتجدد فيها من وسائلها ومناهجها وخطابها الدعوي السابق، وتنفتح بها على الشأن المجتمعي والوطني بشكل أكبر".

 

واستدرك قائلا: "لكن الهجمة العالمية والتحالف العربي ضد الإخوان عامة، وبراعة التشويه الإعلامي والمجتمعي، كوّن تيارا وموجة أكبر من مقاومتها في هذه المرحلة، ما جعل تأثيرهم المجتمعي والدعوي والوطني غير ظاهر أو مؤثر".

 

وإلى "المقابلة":

 

*نبدأ بتعليق منك حول الخطاب الديني في ليبيا حاليا؟


بما أن الخطاب الديني هو محصلة جهود البشر، فإنه يتأثر بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها الداعية أو العالم، وفي تقديري أن الخطاب الديني في ليبيا كان في حالة ركود كبير قبل انتفاضة الشعب في فبراير 2011، ثم ازدهر بشكل كبير في الفترة الوجيزة التي لحقت الانتفاضة، ثم عاد بعدها لجمود كبير؛ بسبب القمع، وسلطان المال السياسي القادم من خارج الحدود الليبية، والذي دعم فصيلا دون آخر، كما أن الإعلام نجح في تشويه الرموز والعلماء، ما أدى إلى انحسار دورهم في تطويره وتأطيره.    


*انتشر مؤخرا ظاهرة هدم الأضرحة في ليبيا.. برأيك من يقف وراء ذلك؟


أكبر عامل يقف خلف هدم الأضرحة هو "الجهل المركب" و"التوظيف المبرمج" و"القانون المُستباح"، فمثل هذه الممارسات التي تنطلق من مقاصد حسنة وأصول عامة، كثيرا ما تقع تحت تأثير الجهل المركب من أصحابها، الذين علموا شيئا وغابت عنهم أشياء، ومثل هؤلاء الناس وأتباعهم هم لقمة سهلة جدا للسبب الثاني، وهو "التوظيف المبرمج"، الذي تقوده وتوجهه بسهولة أجهزة المخابرات؛ كي تكمل الدور السياسي الذي يراد في البلاد، ثم يأتي "القانون المستباح"، فلو كان هناك جهل أو توظيف سيئ، فسيقف القانون وسلطان القضاء دون استباحة هذه الأمور وتفجيرها وهدمها دون إذن أو رادع أو محاسبة وتحقيق، ولكن غياب القانون والقضاء العادل سبب فراغا انتشرت فيه مثل هذه الممارسات وغيرها.


*لكن البعض يرى أن هؤلاء لهم أدلتهم الشرعية على تحريم الأضرحة والصلاة فيها؟


عرف تاريخنا الإسلامي هذه الظاهرة، وهي ظاهرة الانطلاق من حق وحقيقة للوصول إلى مفاسد وكبائر أكبر، فقد نهى الإسلام عن المبالغة في تمييز قبور الأموات أو اتخاذها مساجد، ووردت أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة في هذا، ولكن حتى لو اعتبرنا هذا منكرا مجمعا عليه، فيجب أن يكون تغيير المنكر بالمعروف وليس بمنكر أشد منه، ويكون بطرق مشروعة تراعي ضوابط السنة في النهي عن المنكر، ومثل هذه الأضرحة بناها المسلمون تكريما للأولياء والعلماء والفاتحين، وأصبحت جزءا من تراثنا، ولم تعد لها علاقة بقضايا الشرك والمشركين".


*وما حكم هذه الأضرحة والصلاة فيها؟


كل المذاهب الإسلامية السنية المعتبرة، صنفت بناء الضريح على القبر من باب المكروهات، وبما أن الشعب الليبي المسلم في ليبيا استقر منذ زمن على المذهب المالكي، وبعضهم على الفقه الإباضي، فإن المالكية يرون بأن البناء إن كان لأجل المباهاة فإنه حرام، وإن كان لأجل التمييز عن غيره من القبور فهو جائز، وإن خلا من القصدين فهو مكروه، أما الصلاة فهي جائزة، وحديث "لعن الله اليهود ... اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" -أو كما قال- فالمقصود أنهم اتخذوها قبلة للصلاة، أي جعلوها قبلة.


*وهل نبش قبر المهدي السنوسي له دلالة دينية أم بعد سياسي؟


قراءتي الشخصية أن نبش قبر المهدي السنوسي، رحمه الله، هو فعل سياسي خفي بثوب ديني ظاهر، صحيح أن بعض من يقوم بهذه الأمور يقوم بها بدافع الغيرة عن الدين والإخلاص والحرص على التوحيد وسد الذريعة، وغير ذلك من المقاصد والمبررات المشروعة، لكن يجب أن يعرف هؤلاء الشباب أن النهي عن المنكر هو "فقه" عظيم قائم بذاته، ويحتاج إلى معرفة الضوابط والشروط والقيود وانتفاء الموانع، ومعرفة المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد، وإلا وقعوا فيما وقعت فيه فرقة الخوارج من قبل الذين انطلقوا من منطلقات تحكيم الشريعة وحب القرآن وتصحيح المسار، ثم استباحوا الدماء والأعراض، وأفسدوا في الأرض وهم يبتغون الإصلاح".


*"المداخلة".. كلمة ترددت كثيرا في ليبيا.. ما مدى قوتهم الفعلية؟


هم ينتشرون انتشارا كبيرا في البلاد، وهذا أمر طبيعي لمن يعرف طبيعة الحالة التي تعيشها ليبيا، وحال الصراع العسكري والسياسي وتدخلات دول الخليج، فهم حلفاء بل جنود عسكريون في أحد أجنحة الصراع العسكري، وهم أولياء لأحد توجهات دول الخليج في ليبيا، وهم مدعومون دعما لا محدود بالمال والغطاء الأمني والمخابراتي والإعلامي والعسكري، وبالتالي فمن السهل انتشارهم، ودخول الشباب معهم قناعة أو خوفا أو طمعا، ولا يوجد في ليبيا الآن أي فرصة لحوارهم أو رفع قضايا في حقهم؛ نظرا للدعم "المطلق" في هذه المرحلة، وأقول في هذه المرحلة لأني على يقين بأن مثل هذه التيارات هي تيارات وظيفية وإن كانت مقاصدها حسنة، فبمجرد انتهاء وظيفتها، عادت لوضعها الطبيعي كتيار له أفكار، وهنا يمكن حواره ونقده وبيان أخطائه بالحجة والبرهان، فأجواء الحرية الفكرية هي التي تميز الغث من السمين، أما في حالة الصراع الليبي فسوف يستمر تمددهم كما تمددت غيرها من التيارات الوظيفية التي تخالفها الأسلوب وتتفق معها في المقصد والأثر.


*وكيف تحول المداخلة إلى "مليشيات" مسلحة في جيش حفتر؟


ربما استفاد قائد عملية الكرامة، خليفة حفتر، من العداوة الكبيرة جدا من المداخلة لجماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الدعاة، فهو هدف مشترك بين الرجل وبين هذه الطائفة في هذه المرحلة، وقد تم التحالف على أساسه إلى حين".


*وما صحة ودقة فتواهم القائلة بمساندة "ولي الأمر" ولو كان ظالما؟


هذا موضوع يتعلق بالخلل "المنهجي" الذي تعاني منه بعض التيارات الدينية، ومعالجته بعيدا عن معالجة المنهج وطرق الاستدلال هو جدل عقيم، فالأخذ بظواهر النصوص قد يؤدي إلى ضلال الإنسان، فكثير من ظواهر النصوص توهم تشبيه الخالق بالخلق، وكذلك في الفقه والمعاملات، ولكن أقول لهم ولغيرهم، كيف يستقيم أن يكون الدين الذي يأمر بالعدل والقسط ويبين أن قيام الناس بالقسط هو سبب بعثة الأنبياء هو نفسه الذي يأمر بالخضوع للظلم ومناصرة الظالمين والتبرير لظلمهم بحجة السمع والطاعة، ثم السؤال المهم جدا، من هو ولي الأمر في الإسلام، الذي جاءت الأحاديث بنصرته وعدم الخروج عليه؟!.. فنحن راينا أن ولي الأمر المنتخب قد تم الخروج عليه وقتل وحرق أنصاره السلميين ، أما المتغلب العسكري فتمت موالاته وحث الناس على طاعته !! وفي تقديري هذا اضطراب في المنهج، وتلاعب بأحكام الشرع، وتناقض مريع".


*الانتخابات هي أبرز حدث الآن في ليبيا.. كيف يراه الدعاة؟


أنا مع الإيجابية دائما وترك السلبية والنقد والمشاهدة من بعيد، وأنا مع تخفيف الضرر ما أمكن، ولكن في تقديري أن الانتخابات التي تكون في ظل غياب القانون وفي ظل انتشار السلاح والمال السياسي والإعلام الفاسد والأحقاد والتوجس وتصفية الحسابات، وفي ظل إطلاق أيادي الدول الأجنبية في وسط الناس، أخشى أن تؤدي إلى ضرر أكبر وتطيل أمد المعركة، لأنها لن تضيف للصراع إلا "شرعنة" للقاتل وتقنين لأعمال البطش والإقصاء بين الأجنحة المتصارعة في ليبيا، وكل ذلك سيكون بغطاء قانوني ورعاية دولية، وهذا سيزيد -في تقديري- الطين بلة والخرق اتساعا".


*كثيرون حذروا من استغلال التيار الديني للشعارات للفوز بالانتخابات بدغدغة العواطف.. ما رأيك؟


الاستغلال السياسي هو آفة يستغلها المريض، سواء رفع شعارا دينيا أو رفع شعارا علمانيا أو رفع شعارا وطنيا أو قوميا أو غير ذلك، فالشعار والقناع هو شعار وقناع، وإن تعددت الشخصيات التي تقف خلفه أو تلبسه، واليوم لن نر شعارات دينية في ليبيا، بل الموضة والموجة ستكون لشعارات ومزايدات أخرى ، كالشعارات الوطنية ومحاربة "الإرهاب" و "اجتثاث" الإخوان، حتى إن كان صاحبها يجهل الوطنية ولا يعرف الوطن، ولا يميز بين إخوان ولا غيرهم.


*..وما الحل؟


الحل في ليبيا لن يكون إلا بتدشين توافق حقيقي، يقف فيه كل الليبيين، سواء من أنصار النظام السابق أو من الثوار أو من المحايدين، وتجتمع فيه كل الآراء التي تقدم بها الناس لبناء الدولة، ومصلحة الوطن ومستقبل الأجيال القادمة، على المطامع والحساسيات الآنية، ويصلوا إلى عقد اجتماعي حقيقي تناقش فيه القضايا البنيوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بهدوء، وتغليب للمصالح العليا، ولا يُقصى فيه أي أحد، ويُسمع فيه إلى نداء الدين العظيم، ويَرضَخ فيه الجميع للقانون، دون تعسف ولا تكلف، ويُعتمد دستور ناظم وحاكم بين الجميع".


*وكيف ترى ممارسات جماعة الإخوان الليبية وحزبها سياسيا ودعويا الآن؟


الإخوان في ليبيا ليس لديهم حزب سياسي مثل غيرهم من الأقطار، ولكن لا يمكن اليوم الفصل بين حزب "العدالة والبناء" وبين إخوان ليبيا، رغم صدور بيانات متعارضة بين المؤسستين، ورغم الفصل التام بين المؤسستين إداريا وماليا وتشريعيا، وكان على قيادتي الحرب والجماعة أن يتعاملوا مع هذا "الواقع" كما هو، لا أن يتعاموا عنه، أما بالنسبة للجماعة فأنا بعيد عن التواصل التنظيمي معها أو المتابعة لقراراتها، ولكني لا أعرف مجموعة تعرضت لظلم وبهتان واتهامات باطلة في ليبيا مثلهم، ولم يتح لهم الخصم أي محاولة لتقديم دفاع أو بيان بشأن كل ذلك، بل استطاع الخصوم أن يلحقوا بها أمورا هي أكثر من تصدى لها وقاومها، كالغلو والتطرف والإرهاب والتكفير والتفريط في سيادة الدولة والتساهل في المال العام،... وغير ذلك من التهم الباطلة.


*وكيف ستتعامل الجماعة مع هذه الهجمة؟


حسب معلوماتي، هي تحاول الخروج بمقاربة دعوية وطنية جديدة، تستفيد فيها من أخطاء الماضي، وتجدد فيها من وسائلها ومناهجها وأشكالها وخطابها الدعوي السابق، وتنفتح بها على الشأن المجتمعي والوطني بشكل أكبر، لكن الهجمة العالمية والتحالف العربي ضدهم وبراعة التشويه الإعلامي والمجتمعي، في ليبيا والعالم أجمع كون رأيا واسعا، وشكل موجة أكبر من قدرة الإخوان على المقاومة في هذه المرحلة، مما جعل تأثيرهم المجتمعي والدعوي والوطني غير ظاهر أو مؤثر.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك