هل يدخل العالم العربي إلى عتمة مديدة؟

تشكّل الثورات المضادة، والاحتلالات الإقليمية، والجفاف وانخفاض، أسعار النفط، وبالتبعية سوء إدارة الثروات وموت الثورات.. جملة عناصر تذهب بالمنطقة العربية إلى حالة موات، وخاصة على صعيد الحضور والفعالية في اللحظة الدولية، أو حتى مجرد إدراج كياناتها على قائمة الإهتمامات الدولية.

كل يوم يخطو العالم العربي بخطى واثقة صوب الكارثة الآتية. كل شيء فيه يتقهقر ويضمحل وينضب. وكما التصحر الزاحف على الأراضي الزراعية بقوّة في سوريا والعراق والأردن، تزحف الأزمات بثقة في كامل مساحة المنطقة، وكانها قدر لا راد له. وهذه مصر مهدّدة بشريان حياتها، والمغرب والجزائر يرقصان على حافة ازمات اجتماعية خانقة، فيما تونس تختبر إمكانية إعادة الثورة، وتختبر سلطات السودان حدود قدرتها على المناورة مع شعبها.

 

الأنظمة العربية تحاول صناعة ربيعها؛ على اعتبار أن ربيع الشعوب اندحر، واكتشافها أنها بانتصارها على ذلك الربيع، إنما توفّر لها مساحات شاسعة من الأمان؛ تسمح لها بالتصرف كيفما تشاء، لدرجة التنمّر على الشعوب

والواضح في كل ذلك، أن الأنظمة العربية تحاول صناعة ربيعها؛ على اعتبار أن ربيع الشعوب اندحر، واكتشافها أنها بانتصارها على ذلك الربيع، إنما توفّر لها مساحات شاسعة من الأمان؛ تسمح لها بالتصرف كيفما تشاء، لدرجة التنمّر على الشعوب. وحتى تلك الأنظمة التي لم تحصل عندها ثورات، تحاول استثمار هذا المناخ، على اعتبار أن هزيمة شعوب مصر وسوريا وليبيا واليمن هي هزيمة لكل الشعوب، وبالتالي فإن هذا الركن من أركان الدولة أصبح خارج الفعالية التي انتهت بيد السلطة وحدها دون أي شريك داخلي، حتى لو بالحدود الدنيا.

يترافق ذلك مع تراجع واضح للقيمة الاستراتيجية للمنطقة، إما نتيجة تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط في الحسابات الدولية وظهور منتجين منافسين، في أمريكا وروسيا وبحر الشمال، أو نتيجة انعدام أفق التطوّر والاستقرار في هذه البقعة، وبروز مناطق جاذبة للاستثمار والاهتمام في آسيا على المحيط الهادي.

صحيح أن المنطقة لا زالت تحتفظ ببعض أهمية جغرافية لوجود معابر مائية تربط الشرق بالغرب ويعبر من خلالها حصة لابأس بها من حجم التجارة الدولية، وباتت تتركز جميعها في البحر الأحمر الذي يشهد تنافساً إقليميا ودولياً في هذه المرحلة، لكن هذه الأهمية تكاد تفقد بعدها الجيوسياسي؛ وتتحوّل إلى مسألة اقتصادية بحتة، من خلال عمليات التأجير والاستئجار التي تأخذ طابعاً تجارياً استثمارياً في الغالب.

 

يترافق ذلك مع تراجع واضح للقيمة الاستراتيجية للمنطقة، إما نتيجة تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط في الحسابات الدولية، أو نتيجة انعدام أفق التطوّر والاستقرار في هذه البقعة

في زمن سبق، كان الكثير منا يعتبر أننا نعبر مرحلة انتقالية، بين التسلط والديمقراطية، وبين الذل والخنوع للأنظمة إلى الكرامة والإرادة الحرّة، ورغم مصاعب ذلك الزمن وقسوته كان لدى أغلبنا الأمل بأن هذه المرحلة لا بد ستنتهي، ما دامت مجتمعاتنا تجهّز النخب التي ستثور على الأوضاع المنحرفة، وتصحّح مسار التاريخ.

وبناء على ذلك، تحمّل الكثير عذاب السجون وآلام المعتقلات وبشاعة التهمييش والاضطهاد، ما دام هناك غد قادم، وما دام حمل الألم إلى زوال، حتى بتنا نحسد أنفسنا مقارنة بالجيل الذي يعيش اليوم تحت نير الاضطهاد والقهر والكوابيس من القادم، على الأقل كانت لدينا مساحة حلم واسعة خبأناها عن أعين العسس وحفظناها بعيداً عن المخبرين، إلى أن فجّر جزء شجاع من شعوبنا الربيع العربي واختبرنا الكرامة والحرية، ولو لأيام معدودة.

ينبني جزء كبير من اعتقاد بأن عالمنا العربي ذاهب للعتمة في المرحلة القادمة؛ من حقيقة أن الشعوب العربية تراجعت في هذه المرحلة نتيجة ظروف أقوى منها. وهذا أمر طالما حصل في التاريخ، وتجربة ثورات أوروبا سنة 1848 لا زالت تدرّس في كتب التاريخ؛ يومها وصل التاريخ إلى منعطف لكنه لم ينعطف، كما ذكر المؤرخون.

 

بما أن بذرة فناء كل نظام تنبت من داخله، فإن الأرجح أن غالبية الأنظمة العربية ستكون مقبلة في المرحلة التالية على صراعات داخلية تفتتها وتنهي حقبتها الكارثية

لكن الجزء الأكبر من هذا الاعتقاد يتأتى من الخبرة المديدة بالأنظمة العربية. فهذه الأنظمة تستطيع القيام بكل شيء من شأنه التعجيل بموت الأمة. وقد كشف الربيع العربي ما لم نقدر على تصوره في يوم، من بيع للأوطان، وقتل الشعوب وإبداء الاستعداد من قبل الأنظمة؛ لأن يتحولوا إلى أجراء ليحافظوا على امتيازاتهم.

لكن، وبما أن بذرة فناء كل نظام تنبت من داخله، فإن الأرجح أن غالبية الأنظمة العربية ستكون مقبلة في المرحلة التالية على صراعات داخلية تفتتها وتنهي حقبتها الكارثية. وهذا ليس أملا ورجاء يتذرع به الضعفاء، بقدر ما هي ديناميات جديدة تتوالد نتيجة الصدام العنيف الذي حصل بين المجتمعات والأنظمة العربية، والترتيبات التي أجرتها تلك الأنظمة على هياكلها؛ من خلال صناعة مراكز قوّة متعددة ومتضاربة، وتجري إدارتها في مناخ من التوتر والشك، الأمر الذي يضغ تلك الأنظمة على فوهة الانفجار في كل لحظة.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك