سوريا.. ملفات عسكرية برسم الحسم

مؤشرات كثيرة طرأت خلال الأيام الماضية تؤكد أن الملفات الجغرافية التي لم يتم حسمها العام الماضي بصدد حسمها الآن.

وشكلت محافظة الرقة ومحافظة إدلب مع ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشمالي أهم العناوين المؤجلة من العام الماضي.

وبسبب الحضور الأمريكي فيها، أجل المحور الروسي ـ الإيراني ـ السوري إطلاق معركة الرقة لحين الانتهاء من الملفات الجغرافية الأكثر إلحاحا.

بالنسبة للنظام السوري، لا بد من إبعاد فصائل المعارضة عن ريف حماة الشمالي بسبب قربه من مدينة حماة جنوبا وقربه من ريف اللاذقية غربا، وامتداده إلى ريف حماة الشرقي، فضلا عن أنه شكل رأس حربة في معارك الفصائل على مدار السنوات الأربع الماضية.

وبالنسبة لريف حلب الجنوبي، فإن السيطرة عليه تشكل خطوة مهمة في تطويق الفصائل داخل محافظة إدلب.

أما بالنسبة لإدلب، فإن مصيرها بالكامل ما زال مؤجلا لأسباب داخلية وإقليمية، لكن يبدو أن منطقة شرقي سكة الحجاز وربما الطريق الدولي حلب ـ دمشق مرورا بسراقب وحماة سيكون من نصيب النظام السوري وخط فاصل جديد لمنطقة خفض التصعيد الرابعة.

النظام بحاجة إلى استعادة مطار أبو ضهور العسكري والطريق الدولي حلب ـ دمشق، الأول لأسباب عسكرية والثاني لأسباب اقتصادية ومعنوية، فيما تدفع إيران للمضي قدما نحو بلدتي كفريا والفوعة.

لا يشكل اقتحام النظام لريف إدلب الشرقي تجاوزا وانقلابا على توافقات استانا، فقد تركت منطقة شرقي سكة الحجاز منطقة منزوعة السلاح بضغط من دمشق وطهران، لكن الروس الحريصين على استمرار التحالف مع أنقرة أبدت موافقة غير مباشرة على اقتحام تركيا لمدينة عفرين.

وتصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف يعتبر تطورا نوعيا في الموقف الروسي ويحمل دلالات سياسية، فقد أعلن أن إقامة منطقة يسيطر عليها مقاتلون تدعمهم الولايات المتحدة في سوريا (الأكراد) قد يؤدي إلى تقسيم البلاد.

وبعيد هذا التصريح كثفت أنقرة تحركاتها العسكرية في محيط عفرين، ثم جاء  انسحاب قوات الشرطة العسكرية الروسية من عفرين ومحيطها ليمنح الضوء الأخضر الروسي للأتراك.

ومع ذلك يتطلب الأمر موافقة أمريكية أيضا، وقد جاءت هذه الموافقة غير المباشرة عبر إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أنها لا تدعم المليشيات الكردية في عفرين ولا تراها جزءا من قوات مكافحة تنظيم "داعش".

وليس بالإمكان المرور سريعا على مثل هذا التصريح وفي هذا التوقيت بالذات، إنها رسالة أمريكية بأن عفرين ليست تحت الحماية الأمريكية، والملفت في التصريح أنه لم يذكر مدينة منبج، وهذا يعني أنها خط أحمر لا يجوز للقوات التركية الاقتراب منه على الأقل في ضوء المعطيات القائمة الآن، وهذا يخالف تصريحات أردوغان التي أكد أن منبج وعفرين هدفان عسكريان مقبلان للقوات التركية.

 وإذا كانت بعض ملامح المشهد العسكري بدأت بالظهور، فإن أسئلة ما تزال تطرح عن المرحلة التالية، فهل ستكتفي تركيا بعفرين فقط؟ أم تطالب بمنبج والبلدات الواقعة غرب منطقة "درع الفرات" وفي مقدمتها بلدة تل رفعت؟ وهل يكتفي النظام بالسيطرة على نصف محافظة إدلب وترك محافظة الرقة للهيمنة الكردية وهي محافظة ذات غالبية عربية؟

 من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة في ظل المتغيرات السريعة التي تطرأ على الميدان السوري، لكن إعلان واشنطن تشكيل قوة حدود أعاد خلط الأوراق في الساحة السورية.

من الواضح وفقا لمضمون الإعلان الأمريكي وتفاصيله، أن هدف القوة الحدودية هو تأمين الحدود الجغرافية الخارجية كحاجز أمام أية طموحات تركية في الشمال أو إيرانية في الشمال الشرقي.

 لكن هذه القوة ستتحول بالضرورة إلى حاجز داخلي يمنع أي طرف عسكري من اقتحام مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية".

بعبارة أخرى، إذا كانت هذه القوة الحدودية بمثابة الحاجز ضد أية محاولة لاقتحام مناطق الهيمنة الأمريكية في سوريا، فإنها بالمقابل مؤشر على اكتفاء الولايات المتحدة بتثبيت قوتها، وأنها لا تفكر في توسيع هذه القوة داخل الجغرافية السورية، على الأقل في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك