الانتخابات الرئاسية.. وصراع الغِربان

انشغال بعض المحسوبين على معركة الحُرية والكرامة في مصر وحفاوتهم بمشهد ما يسمى "الانتخابات الرئاسية" في مصر؛ أمر مثير للاشمئزاز والقرف، كما أنه مثير للشفقة على حد سواء.

نعم.. قد يكون الحدث مادة خصبة وثرية للإعلاميين، لكن تَرَقُب أحداثه والتعويل على نتائجه، فضلا عن المشاركة فيه، تُعَد خطيئة بمفهوم الثورة والشرعية.

قد نحتاج إلى تفكيك لمفردات الأحداث، على الرغم من أن المشهد المصري بجبروته واستبداده لا يحتاج إلى بيان أو شرح.

المشهد الآني يقف فيه قائد الانقلاب وسط حفنة قليلة من مجرميه، ما زالوا يدعمونه بعد أن غَدَر بكل شركاء انقلابه وأهانهم.

على الجانب الآخر، يقف الفريق سامي عنان كأحد ضحايا ثورة يناير - هو ممن خلعتهم كما خلعت رأس النظام السابق - يلتحف بكثير من قوى الثورة المضادة، وأوتاد فرعون ومراكز قوى الاستبداد التاريخية في المشهد المصري.

هذه نظرة على رموز الغدر ذات الحظوظ الجادة التي يمكن أن تتصارع في هذا المشهد الآثم الغادر. بيد أن المشهد لا يخلو من "أراجوزات" تأبى إلا أن ترتدي زوراً وبهتاناً لباس الثورة، وتضرب الشرعية والحرية والديمقراطية حين تنسب نفسها للثورة وقيمها ومبادئها.

الثورة المصرية واحترام إرادة الشعب وأطلال الديمقراطية وكل هذه القضايا العادلة؛ تنزوي هناك في زنازين تُحبس فيها الشرعية بكل فضائلها ورموزها وأحرارها، وللأسف السجانون والجلادون هم أولئك المتنافسون في ما أسموه انتخابات.

أدعياء الثورة الذي قَبِلوا المشاركة في مأتم الديمقراطية وعزاء الوطن وسرادق الخيانة، ووكر التلون والتزوير؛ هم في حقيقة الأمر أسوار سجن الوطن والجدران الصماء لزنازين حبس الشرعية، وأبوابها الغليظة وقيودها القاسية. وإذا ما غامرنا بتجاوز سطحية المشهد وحاولنا الغوص في تفاصيله العفنة النَكِدة، فإن تساؤلات جادة ينبغي أن تُطرَح ويفرضها الواقع..

هل للشعب المصري وإرادة المصريين في هذه الانتخابات يد أو قدم؟!

هل يُعَوِّل عليه أحد المتنافسين أو يتحرى رضاه آخر؟!

هل ما زالت هناك ثورة أو بقية ما من يناير؟!

هل للصندوق قيمة في هذا الصراع؟!

ما هي النتائج المنتظرة لهذا الصراع القذر؟!.. في أكثر صور المهزلة إثارة استبدال "عرض" محل آخر!!
هل هناك خيارات وطنية أو احتمالات لحرية أو إرادة؟!

كل ما سبق وغيره كثير؛ أسئلة لا تنتظر إجابات لمن عاش ألم الواقع المصري، وما زال يتدثر ببقايا أمل في حلم الحرية والكرامة.

أما الأسئلة الحائرة والتي تعبر عن مأساة المشهد فهي تتراوح بين: هل ثمة سيناريو متفق عليه بين فرقاء البِزِّة العسكرية؟!.. لا نملك التأكيد، ولكن من يملك النفي؟!

أما إذا تأكد الصراع فلا ينبغي أن تغيب الدماء عن مشهدنا القريب؛ لأنه صراع القتلة والعملاء ومصاصي الدماء.. ماذا ننتظر من أمثال هؤلاء؟!

تأتي الخلفية العميقة للمشهد لتتحدث عن أن المتصارعين الحقيقيين لا يتجاوزون خيالات مآته وعملاء، كل منهما يركن ويتترس بقوى إقليمية ودولية.

فالسيسي قدم نفسه كمنفذ وخادم للأجندة الإسرائيلية، وبنى أركان انقلابه على دعم الكيان الصهيوني. أما السعودية والإمارات؛ فمجرد "شكاير للرز" ومحافظ لتمويل وسداد فواتير انقلابه هنا وهناك.

"العسكري" سامي عنان؛ لا أحد يتوقع منه أن يبتعد كثيراً عن رفيق "المِخْلة"، أو أن يأتي - لا سمح الله - بأجندة وطنية، فهو من غير شك قَدَّم التعهدات وقَبَّل العتبات لمجرد أن يصل إلى هذه المرحلة وربما التي تليها.

قد يدعم عنان تغير مزاج "الخلايجة" وتذمرهم من غدرات السيسي وقذارته، وربما رأت إسرائيل أن السيسي فقد صلاحيته بعد أداء دوره، وقد تتجه لتغييره بعدما استجمع بفشله كل أسباب كراهية الشعب وغضبه، فتخشى من ثورة جديدة للمصريين منشأها أحوالهم المعيشية والاقتصادية. 

هذه الأسباب ربما تفتح الباب لتفكير واتفاق إقليمي بإنتاج "كلينكس" جديد وإلقاء القديم القَذِر.

لكن لا أعتقد أن يكون ذلك من خلال انتخابات وصندوق وآلية تُحسب على الديمقراطية والتداول. إنما عملية الاستبدال تلك لابد وأن تشهد دماء، تعففاً واستخساراً أن يُقال أن الانتخابات في بلاد العرب تُؤَثِر أو تُغَيِر.

لذا أميل أن صراع "العسكر - العسكر" ما هو إلا شَدِّة "ودن" للسيسي وأزلامه، ليتعلم اللباقة في معاملة كُفلاء الخليج، ويُحسن ترضية الداخل بإشراكه في "التورتة"، وهنا الداخل الذي أقصده هم رجال الأعمال وشلة نظام مبارك ومراكز القوى التاريخية.

وأخيراً.. لا يجب أن يفوتنا أن نتوجه بالتهنئة والرثاء في آن واحد لنُخْبة الثورة المزعومة، هنيئاً لكم مقاعدكم الوثيرة وهذه المُشَاهَدة المثيرة،ولا عزاء للوطن فيكم.

ونؤكد أننا لم ولن نفقد الأمل، لكن في أقدار لله تأتينا عن قريب، وكَثَرة ثابتة متمسكة، فضلاً عن أحرار السجون والمعتقلات.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك