" حوار خمسة + خمسة".. تحديات كبيرة

أنهى المؤتمر الوزاري الرابع عشر لحوار بلدان "خمسة+ خمسة" لغرب المتوسط؛ أشغاله البارحة الأحد 21 كانون الثاني/ يناير 2018 في العاصمة الجزائرية، مُعلنا في بيان ختامي عن جوهر القضايا التي شكلت جدول أعمال وزرائه، والتحديات التي تنتظرهم، وتدعوهم إلى اعتماد مقاربات أكثر فعالية ونجاعة لمواجهتها والتصدي لمخاطرها.

يضم الحوار خمس دول من جنوب المتوسط، هي تحديدا: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وما يُناظرها من الضفة الغربية، أي: إسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا، والبرتغال، ومالطا. أما تاريخ انطلاق هذا الحوار، فيعود إلى عام 1990 في روما، حين تمَّ التوافق على هذه المجموعة لتكون آلية لتكثيف التشاور بين الدول الأعضاء، وتعزيز التعاون الإقليمي، والحوار السياسي، وتحقيق التوازن بشأن المقاربات والرؤى المتقاطعة حول القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك. يُذكر أن الحوار توقف لقرابة عقد من الزمن، ولم يتم استئنافه إلا مع الألفية الجديدة (2000 - 2001)، ومنذئذ واللقاءات تتوالى بالتعاقب بين الضفتين حتى اليوم.

اعتمد لقاء الجزائر عنوان مؤتمره "غرب المتوسط: تعزيز تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة متقاسمة ومستدامة لمواجهة التحديات المشتركة في المنطقة". وهو، وإن بدا عنواناً عاماً وفضفاضاً إلى حد ما، فإنه يكثِّف المأمول والمطلوب من حوار الطرفين، ويعكس الرهانات المنتظرة من مناقشاته، وما يمكن أن تسفر عنه من توافقات وقرارات، لا سيما وأن الحوار، وإن كان مقتصرا حصريا على الدول العشر المشار إليها أعلاه، فإنه يضم كمراقبين؛ كلا من "الأمين العام لاتحاد المغرب العربي"، و"الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط"، و"المفوض الأوروبي المكلف بالسياسة الأوروبية والحوار ومفاوضات التوسع".

 

آلية الحوار وإن لم تكن مالِكة سلطة التقرير، فإن أدوارها بالغة الأذهمية لتيسير الخطوات المُفضبة إلى صناعة السياسات واتخاذ القرارات لاحقا، بل يمكن الجزم بأن الحاجة ماسة إلى مثل هذا الحوار لتقريب الرؤى


لا بد من التأكيد على أن "حوار 5 + 5" ليس إطاراً تقريريا، بل هو بالدرجة الأولى آلية للتشاور، والتحاور، وتبادل الرؤى والمقاربات في شأن القضايا التي تواجه ضفتي المتوسط. لذلك، ليس في مكنه ممارسة سلطة الحسم والفصل، بل بمستطاعه إنضاج الآراء على مستوى وزراء الخارجية لتقديمها للحكومات والهيئات ذات الاختصاص. غير أن آلية الحوار وإن لم تكن مالِكة سلطة التقرير، فإن أدوارها بالغة الأهمية لتيسير الخطوات المُفضبة إلى صناعة السياسات واتخاذ القرارات لاحقا، بل يمكن الجزم بأن الحاجة ماسة إلى مثل هذا الحوار لتقريب الرؤى، التي ليست دائما متناغمة، ولا حتى متقاربة في القضايا والملفات التي تعقد العلاقات بين الطرفين.

لم يشذ الاجتماع الرابع عشر لحوار 5 + 5 عن سابقيه من المؤتمرات، حيث جدد أعضاؤه التأكيد على أهمية التشاور والتنسيق للتقارب أكثر، وخلق مساحات واسعة للفهم المشترك حُيال قضايا التنمية المستدامة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. كما ركزوا على الملفات ذات الأولوية بالنسبة لأمن واستقرار دول غرب المتوسط، من قبيل الهجرة بكل أنواعها، والتطرف والإرهاب، وكل أشكال العنف. وفي الاتجاه نفسه، نبّهوا إلى الأخطار القادمة من عودة مقاتلي داعش إلى أوطانهم الأصلية، أو تحركهم نحو مواقع جيوبوليتيكية جديدة، لاسيما في دول غرب إفريقيا والساحل. الواقع أن على رأس اولويات "حوار خمسة + خمسة" في اجتماع الجزائر، ظل موضوع الإرهاب وسبل التصدي لمخاطره القضية البارزة، تليها في الأهمية ظاهرة الهجرة بكل أشكالها، أما الملفات الأخرى فمما يمكن اعتباره من القضايا المستمرة والدائمة، لا سيما في مجالات الاقتصاد والتنمية والعلاقات البينية عموما.

 

"حوار خمسة + خمسة" صيغة أكثر فعالية؛ إذا توفرت له شروط ذاتية وموضوعية أفضل من تلك المتحكمة في مساره منذ سنوات


لكن ثمة ، بالمقابل، مواقف استجدت على هذا الاجتماع، وأخرى اكتست طابعا مستجداً وملحا. فوزراء الدول الأعضاء شددوا بالإجماع على أهمية حلّ الدولتين، و عدم قبول قرار الرئيس الأمريكي "ترامب" باعتبار " القدس عاصمة إسرائيل". كما كان واضحا لديهم أن القدس موضوع شائك ومعقد، ولا يمكن التعاطي معه إلا ضمن مفاوضات الحل النهائي. أما القضايا التي اكتست طابع الأهمية والأولوية، فتتعلق تحديداً بالوضع الليبي، حيث تم التشديد على احترام وحدة ليبيا، وسلامة أراضيها، وعدم تعرضها للتفتيت والتفكك. كما تمَّ التأكيد على أهمية الحل السياسي بين كل الفرقاء، ورفع يد التدخل الأجنبي في مسيرتها نحو استرجاع وحدتها.

يمكن أن يكون "حوار خمسة + خمسة" صيغة أكثر فعالية؛ إذا توفرت له شروط ذاتية وموضوعية أفضل من تلك المتحكمة في مساره منذ سنوات، أو تلك التي استجدت في دول جنوبه، وزادت من إضعاف قدراتها على الحوار والتفاوض. فلو نظرنا إلى الدول الخمس في جنوب المتوسط، للاحظنا كم تعيش ظروفاً متفاوتة من حيث الاستقرار والأمن، وكيف تحول مثل هذه الأوزان المتباينة دون تراصِّ صفوفها ووحدتها. فعلى سبيل المثال، هناك دولتان تعيشان وضعاً انتقالياً، هما ليبيا وتونس، مع كل من يترتب عن هذا الوضع الانتقالي من آثار على مكانتهما داخل هذه المجموعة. وإلى جانبهما هناك دول ثلاث ليست علاقاتها السياسية من الانسجام والتعاون بما يسمح بتقوية موقعها في آلية الحوار. وفي كل الأحوال ليست الدول المغاربية في وضع يؤهلها لفرض مكانتها كمجموعة متكاملة في آلية الحوار. أما على مستوى الضفة الغربية للمتوسط، فالوضع الإجمالي أفضل من نظيراتها في الجنوب، وقدراتها على الحوار والتفاوض وحتى فرض وجهات نظرها أمكن وأيسر.. وهو ما لا نجده، مع الأسف، لدى الدول المغاربية.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك