هل ينقذ مجلس الإنقاذ الوطني غزة ؟

في شهر أكتوبر الماضي، دخل مسلسل المصالحة في جزئه الحالي والذي شارك في إعداد وصياغة السيناريو أطراف خارجية ووعدت بالسهر والحمى على تنفيذه، والمتأمل في هذا الجزء من المسلسل يجده بطولة قائد حماس في غزة يحيى السنوار، والذي اجتمع بكل فئات المجتمع وبشرها بأن المصالحة خيار حماس الاستراتيجي، وزرع التفاؤل في قلوب الناس وفي دروبهم، ووعد بالمزيد من المفاجآت من أجل تشييع الانقسام إلى مثواه الأخير، وإخراج هذا الجزء بشكلٍ يليق بشعب القضية وبقضية الشعب، ووعد بكسر عنق كل من  يعطل تنفيذ المصالحة.


لكن وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة؛ لم يحدث التغيير المنشود، بل زادت الأوضاع سوءا، وإزاء الأوضاع المعيشية الصعبة في غزة وفي ظل تنكر الحكومة والسلطة لمعاناة أهلها، وفي ظل غياب الراعي المصري عن المشهد، تداعت شخصيات أكاديمية وطنية مُحترمة ووازنة فلسطينية، لتشكيل (مجلس إنقاد قطاع غزة) ووضعت خطة عمل للتواصل مع كل مكونات المجتمع الفلسطيني وفصائله الوطنية للتشاور حول الخروج من الأزمة، وبالفعل بدأت هذه الشخصيات التحرك واجتمعت مع فصائل سياسية وقطاعات اقتصادية واجتماعية فلسطينية ودولية، واجتمعت مع الأخ أحمد حلس قائد حركة فتح في قطاع غزة، وتقدموا له بالمبادرة لعرضها على رئيس السلطة، وكان من بنود المبادرة:

1- التأكيد على أن مجلس الإنقاذ ليس بديلاً للسلطة، وإنما كحلٍ مؤقت لحين قيام السلطة والحكومة بتحمل كامل مسؤولياتها في القطاع، وأن التبعية القانونية لمجلس الإنقاذ تبقى بيد السلطة.

2- إبعاد قطاع غزة عن تبعات الصراع السياسي القائم الذي أضرَّ بكل القطاعات المدنية.


3- في حال استمرار العقوبات على غزة وتلكؤ حكومة الوفاق في استلام مهامها كاملة، يتم تشكيل مجلس إنقاذ وطني مؤقت لمدة عام لتسيير إدارة العمل الحكومي في القطاع.

من يقرأ بنود المبادرة يلمس أنها من الناحية النظرية جميلة، ويشعر بحجم إخلاص أصحاب الفكرة وحسهم الوطني، وهو جهد يشكرون عليه، لكن هل الجمال النظري وحده يكفي؟ بالطبع.. لا.

وهنا أورد ملاحظاتي على المبادرة:

1- أن المبادرة قدمت للسلطة التي هي مساهم رئيسي وقوي وميداني في حصار غزة، يعني (اشكيك لمين وأبوك القاضي؟).

2- أن عباس يعلم وسيعلم إن لم يكن يعلم، أن الأشخاص القائمين على الفكرة هم محسوبون على حماس سواء بالهوى أو بالهوية، وسيفترض أن حماس قد أوعزت لهم بتشكيل هذا الجسم لإعطاء الفكرة صبغة غير حزبية تستطيع حشد الجهود ضده، رغم أنهم ليسوا من حركة حماس أو على الأقل نسبة كبيرة منهم لا يتبعون حماس تنظيمياً حسب معلوماتي.

3- أن وضع غزة لا يحتاج لكثير شرح، فالقاصي والداني يعرف بسوء حال غزة، خاصة بعد عقوبات السلطة على غزة التي بدأت في بداية 2017، وهنا يأخذنا الحديث للحديث عن الرغبة والقدرة، هل السلطة ترغب بإنهاء أزمات غزة ولكنها لا تقدر؟ أم أنها تقدر لكنها تريد؟ أغلب الظن أن السلطة لا ترغب، وهذا  معروف للقاصي والداني وواضح من خلال تصريحات قادتها، لأنهم يفهمون المصالحة على أنها تمكين يساوي تمكينها في الضفة، والقاضي بالسماح للاحتلال فعل ما يشاء بمن يشاء وقتما يشاء، وآخر تجربة هي تجربة ملاحقة الاحتلال واغتياله للشهيد احمد جرار في قلب مدن الضفة الغربية.

4- بند (في حال استمرار العقوبات على غزة وتلكؤ حكومة الوفاق في استلام مهامها كاملة، يتم تشكيل مجلس إنقاذ وطني مؤقت لمدة عام لتسيير إدارة العمل الحكومي في القطاع)  يحمل في طياته تهديد للسلطة وقد تستثمره السلطة بشكل عكسي، فهل تستجيب السلطة لكيان حديث العهد، وليس له أي ثقل سياسي داخلي وخارجي؟  

ورغم هذه الملاحظات، إلا أن ذلك لا يعني عدم التحرك في كل الاتجاهات لتخفيف وطأة الحصار عن أهل غزة، بل كل الاحترام والتقدير للشخصيات الحريصة على انقاد غزة.

لكن السؤال المهم: هل سيتعامل العالم مع جسم جديد بعيد عن السلطة، وهل ستسمح السلطة، هل ستقبل مصر بذلك؟

أرى أنه لو كانت مصر بالذات حريصة على مصلحة غزة، لتعاونت معها في فتح معبر رفح، وتسهيل حرية الحركة منها وإليها، والنظر إليها كحالةٍ إنسانية حتى تضع حالة الانقسام أوزارها ، ولو أن العرب غير منسجمين مع رؤية عباس في تعامله مع غزة، لما استمر حال غزة على ما هو الآن، لأن عباس هو جزء من منظومة تديرها أمريكا وتحركها بالاتجاه الذي يضمن مصلحة الكيان الصهيوني.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك