العرب في مواجهة مصيرهم

بدأ العرب عامهم الجديد مثقلين بأحداث عام صاخب بالأحداث والتطورات السياسية والاقتصادية والأمنية، كانت جلها في غير صالحهم بكل المقاييس.

فقد طوى العرب عاما بدا فيه الانقسام على أشده، وتعمّقت هشاشة وضعهم، وتفاقم تشرذمهم، واتسعت دائرة خلافاتهم لتشمل المنطقة الخليجية، التي كانت إلى وقت قريب المنطقة الأكثر تضامنا وتماسكا، في إطار مجلس تعاون لم يعرف خلافات حادة وانقساما على نفسه مثل التي يشهدها في المرحلة الراهنة.

والحقيقة أن العرب يمرون اليوم بواحدة من أخطر الحقبات التاريخية، أبرز معالمها:

أولا: يمثل خطر الانقسام العربي تحديا ماثلا للعيان، وهو يهدد ليس فقط الوضع العربي كمنظومة متكاملة، وإنما أيضا يهدد وحدة وتماسك القطر الواحد. فالتجمعات العربية اليوم تتلاشى الواحدة تلو الأخرى. بل يبدو هذا الانقسام والتفكك يغذي بعضه البعض. جامعة الدول العربية تعاني من شبه شلل كامل، ولا تبدو قادرة على أداء الحد الأدنى المطلوب منها. بل إن جل الدول العربية إما منشغلة عنها أو متخففة منها. وليس الاتحاد المغاربي كتجمع إقليمي بأحسن حال، فهو أسوأ وأخطر، فقممه معطلة منذ 25 عاما، ومؤسساته تسير بالحد الأدنى الإداري، دون أي تفعيل لمبادرات أو مشاريع للتكامل.

 

مجلس التعاون الخليجي لسنوات قليلة كان النقطة المضيئة في المنطقة بقممه المنتظمة، و"سياساته المتزنة"، وتكامله المعقول، ووصل التعاون والتنسيق حد طرح فكرة الانتقال بالتجمع منه مجلسا إليه اتحادا. غير أن خلافات طفت على السطح فجأة عصفت به، حد القطيعة بين بعض بلدانه، لم تعصف بقيم التضامن والوحدة بين أعضائه فحسب، إنما انتكست به من مجلس للتعاون، إلى فضاء للتباعد والتحارب الإعلامي المستعر لأشهر طويلة وبلا هوادة. قطيعة شقًت الفضاء الخليجي عموديا وأفقيا، تكثفت معه الحواجز النفسية وخلافات عميقة تشق العائلة الواحدة، والقبيلة الواحدة، والأرض الواحدة، والأمن الواحد.

تهاوت التجمعات العربية (الجامعة العربية) والأخرى الإقليمية (مجلس التعاون والاتحاد المغاربي) وقد كان ينظر إليها مثل روافع الحد الأدنى من التماسك العربي والتعاون بين الأشقاء وإطارا للوجود العربي. تجمعات كانت تتقدم على الاتحاد الإفريقي بأشواط، بينما تجاوزها هذا الأخير اليوم هيكلة وأداء وأدوارا لدرجة أن الكثير من دولنا حتى غير الإفريقية منها تبحث عن مكان ودور هناك في ظل شلل جامعة الدول العربية.

ولقد تزامن هذا التفكك مع انهيار وخراب لحق الحواضر العربية التاريخية، فمن بغداد الدامية، مرورا بالموصل، أم الربيعين التي استحالت خرابا، وحلب الشهباء المدمرة والمشرد أهلها، فدمشق المختنقة، لصنعاء المنكوبة، فالقاهرة "المتوارية"، وهو حال حواضر العرب التاريخية التي يسكنها اليوم إما الخراب والدمار أو الحزن والخوف.. كلها علامات بارزة على حال العرب.

ثانيا: تراجعت قيم التعايش والوئام الداخلي في القطر الواحد بشكل غير مسبوق، فيما يشبه انهيارا وتفككا للاجتماع السياسي والأهلي، وانحلال للعقد الاجتماعي. عبّر هذا الوضع عن نفسه من خلال خطاب الإقصاء والرفض للتعايش الداخلي حتى مع ابن الوطن الواحد إذا كان مختلفا، وتغذية خطاب الكراهية والعنف بدل التسامح. وفي الكثير من الأقطار العربية تمترس الجميع خلف أنساق اجتماعية ضيقة، وتحولت العشيرة والطائفة إلى معقل للهوية الصلبة. وانحسرت قيم وثقافة العيش المشترك، التي كانت إلى وقت قريب مسلمات ليست محل سؤال. وليس ما يعرف بتنظيم "داعش"، إلا التعبيرة الأكثر دموية للانغلاق والتطرف وعدم التسامح في المشهد العربي.

فالساحة العربية اليوم تضج بنخب من "اليمين" و"اليسار" و"الليبراليين" يتصدرون لبث خطابات طائفية أو شوفينية أو مذهبية أو حداثية تحديثية، ولكن رسالتها الجوهرية العميقة "داعشية" بامتياز. نخب تتصدر المنابر الإعلامية وتحتل الفضائيات، تشيع الاحتراب بدل الوئام، والتخويف بدل الطمأنينة، والحرب بدل السلم، الإقصاء بدل التعايش، والتباغض بدل التسامح، والانغلاق بدل الانفتاح، والتسلط بدل العدل، والانفراد بدل التشارك. وهي كلها خطابات تعطي شرعية للفتنة والاحتراب والاستبداد وتدافع عنه باستماته بذريعة حماية الطائفة أو الحزب أو الجماعة أو الوطن.

لذلك تحتاج المنطقة العربية اليوم لنخبة جديدة أو لنقل لجيل جديد من النخب يدرك مقتضيات المساهمة في إشاعة ثقافة تستجيب لتطلعات الأجيال العربية في نظام سياسي متوازن وراشد يعبّر عن إرادة الشعوب العربية في الحرية والكرامة، والمنوال الاقتصادي الاجتماعي العادل. ولم تعد منطقتنا تتحمل نخبا لا تتقن سوى تبرير الاستبداد والفساد والتستر عليه، تمثل جهازا أيديولوجيا مكملا للجهاز القمعي الضارب في المنطقة.

ثالثا: ترذيل فكرة الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد في سياق منوال سياسي استبدادي يقوم على التسلط وحكم الفرد وتغييب واستبعاد أي فرص للتداول السلمي المشروع على الحكم. وقد تمت ترجمة هذا المعنى، من خلال حرص نخب استفادت من ذلك المنوال السياسي الاستبدادي على شيطنة تحولات ما يعرف بالربيع العربي، وترذيل قيمه، والمساومة عليه بـ"الاستقرار" و"الأمن" التي كانت سائدة. بينما كان يمكن النظر لهذه التحولات باعتبارها مسارا إصلاحيا، وتصحيحا لأوضاع لم يكن بالإمكان استمرارها.

وتسعى قوى كثيرة اليوم لمحاولة استعادة منوال الماضي في الحاضر، بل والدفاع عنه بشراسة، كما يحدث في مصر. وهو مسعى لا تدفع بسببه مصر وحدها ثمنا باهظا من استقرارها وأمنها ومكانتها وسمعتها ودورها المتآكل حد الغياب الكامل إقليميا ودوليا، وإنما المنطقة العربية والإسلامية جميعا، بالنظر إلى الموقع الذي تمثله مصر عربيا وإسلاميا.

رابعا: وما زاد الأوضاع تعقيدا، هو استفحال الفساد بشكل غير مسبوق في بلداننا العربية، حتى تحول جزءا من المنظومة السياسية، يصنع القرارات، ويساهم في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية. فساد استحكم في النظم القديمة وعزز مواقعه، وانتشر واستعاد نفوذه في البلدان التي شهدت تحولا بعد 2011.

الخطير أن هذه الظاهرة، لم تعد خطيرة في ذاتها فقط، من حيث تخريب الاقتصاد، وإرباك التنمية، وضرب التوازنات المالية، ونشأة اقتصاد مواز، وإنما تحول الفساد في كثير من الأحيان وحسب التقارير الدولية إلى محفز أساسي للإرهاب، بسبب غياب العدالة الاجتماعية، وانسداد الأفق أمام فئات اجتماعية، دفعتها إلى الهامش في الاقتصاد والاجتماع والسياسة. ويبدو العراق أحد الأمثلة الصارخة، في استفحال الفساد، معطوفا على حجم ظاهرة الجماعات الإرهابية الناشطة فيه.

خامسا: تستهدف القضية الفلسطينية خلال هذه الحقبة في تاريخ المنطقة بشكل منهجي وخطير، بل وغير مسبوق. فالقضية الفلسطينية التي كانت لعقود مصدر تغذية الشرعية للنظام العربي مجتمعا، وللأنظمة العربية منفردة، بل ومجددة لهم، بدت الكثير من هذه الأنظمة تتسابق للمساومة بشأنها لا دفاعا أو تضامنا أو اعتراضا وإنما تفريطا وبيعا وتسليما. وفي مناطق وأقطار كانت فيها أفكار مثل التطبيع والعلاقات مع إسرائيل خيانة و"كفرا"، بات التسابق فيها باتجاه التطبيع وزيارة تل أبيب، والتنسيق معهم من المسلمات.

 

لننتقل من تجريم التطبيع وتخوين من يتورط فيه ويمارسه، إلى تجريم من يعترض على التطبيع أو يدين المتورطين فيها. وفتحت جبهات ومسارات متعددة لتسريع هذا التوجه الانفتاحي على الكيان الإسرائيلي من خلال، من خلال الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية، والتعان والتنسيق الأمنيين، والتبادل الاستخباراتي، والتحالفات الخفية. وأسندت مهمة التبرير والتحليل وشرعنة هذا المسار التطبيعي لرموز إعلامية تدافع عنه وترذل وتشيطن المقاومة ورموزها والمدافعين عنها.

 

واستعمل سلاح لوائح الإرهاب لإدراج الحركات والمنظمات الداعمة للمقاومة. ويتوّج هذا المسار اليوم بالتواطؤ على القضية الفلسطينية من خلال الاندراج والقبول بالترتيبات الأمريكية من خلال وعد ترامب بشأن القدس، ثم صفقة القرن التي تبدو بعض الدول العربية طرفا فيها، ومندرجة فيها بفاعلية. 

سادسا: أثبتت السنوات الأخيرة التي تبعت انطلاق الربيع العربي، حجم وسطوة العامل الخارجي في التأثير ورسم المشهد العربي. من تونس إلى مصر فليبيا ثم سوريا واليمن، دخلت قوى خارجية كبرى على خط ومسار التحولات في الدول المذكورة، وكان لها أدوار أساسية في لجم التحولات والسيطرة عليها وتوجيهها، وتعديلها.

 

والحقيقة أن التأثير الخارجي في المنطقة، كشف عن حجم وسطوة القوى الخارجية، التي بدت في الغالب متحفظة على التحولات ومتخوفة منها. فتدخلت بأشكال مختلفة، عسكريا مرة، ودعم انقلاب في أخرى وإدارة أزمة دون الحرص على حلها كما حصل في سوريا. والمؤكد أن هذا الدور الخارجي، يحيل على حجم النفوذ الخارجي في المنطقة، ليس فقط في التأثير في معالمها الإجمالية، بل أبعد من ذلك، إلى الحرص على الإسهام في صياغة النظام السياسي لأقطار المنطقة وضبط حدوده، في إطار حماية المصالح التقليدية للقوى الخارجية، والالتزام بأفق مرسوم ومنضبط لقواعد النظام الدولي وتوازناته.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك