إعادة ترميم الانقلاب في اليمن

المواجهات العسكرية في اليمن لا تزال على الوتيرة نفسها خالية من المفاجآت، رغم التقدم الذي يحرزه الجيش الوطني في هذه الجبهة أو تلك، وبوتيرة بطيئة جداً تعكس طبيعة المخطط المرسوم من جانب تحالف الرياض-أبوظبي؛ الذي يهدف إلى التعاطي مع الجبهات باعتبارها مناطق استنزاف مقصود لحلفاء الميدان من أنصار الشرعية، قبل الانقلابيين الحوثيين أنفسهم.

وحدها المواقف السياسية تشهد تغيراً دراماتيكياً، عنوانه الانفتاح غير المشروط من جانب معسكر الشرعية على الطرف الذي لعب دور الحاضن الأهم والأكبر لانقلاب 21 أيلول/ سبتمبر 2014، وأعني به حزب الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وما تبقى من قادته العسكريين وتحالفاته القبلية وشبكة المصالح التي أسسها طيلة العقود الثلاثة الماضية من حكمه الثقيل والفاشل لليمن.

وما من شك في أن هذا التغير المثير للجدل في مواقف معسكر الشرعية أو معظم رموزه مدفوع برغبة ملحة من طرف تحالف الرياض-أبو ظبي، لإيجاد الشريك الذي لطالما بحث عنه هذا التحالف، وكان يراه في هذا الفريق السياسي الذي تنتمي إليه رموز الدولة العميقة بارتباطاتها الوظيفية القديمة مع الرياض والخليج.

الشخصية العسكرية البارزة المتحررة من العقوبات يمثلها العميد طارق محمد عبد الله صالح نجل شقيق صالح، هذا العسكري الذي أخفق في أهم وأخطر مهمة أوكلت له طيلة حياته المهنية، وهي حماية عمه، في وقت لا يزال فيه الغموض يكتنف رحلة النجاة التي قطعها حتى وصل إلى عهدة التحالف.

لكن مؤشرات اليوم الأول من المعارك التي بدأ العميد طارق وقواته يخوضانها في الساحل الغربي للبلاد؛ تؤكد أن الكم التسليحي الهائل الذي حصل عليه من التحالف لم يُحْدثْ فارقاً، بالنظر إلى الخسائر التي مُنيت بها هذه القوات على يد مقاتلي مليشيا الحوثي الانقلابية على مشارف معسكر خالد بن الوليد؛ الذي كان يُعتقد أن ما تسمي نفسها "المقاومة الجنوبية" قد استعادته بدعم من قوات التحالف.

لذا يمكن القول إن الأمر لا يزال على حاله تقريباً حتى بعد دخول العميد طارق بجيشه وعتاده الحديث والمتطور الممنوح له من التحالف؛ على خط المواجهات ضد الحوثيين في رحلة بدأها حليفاً ومبالغاً في التأييد للحوثيين، وانتهى بالقتال ضدهم بعد مصرع عمه في الثاني من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2017.

من السابق لأوانه الحكم على المهمة العسكرية للعميد طارق التي تنفذ بالتنسيق المباشر مع التحالف وبعيداً عن الهيكلية والتراتبية النظامية للجيش الوطني، لكن من الواضح أن تحدياتٍ كبيرةً تنتظره وتنتظر قواتِه في ظل معلومات تفيد بأن عناصر من هذه القوات، وبعضها يشغل مواقع قيادية، قد دفعَ بها الحُوثيون لضمان الحصول على المعلومات اللازمة لخط سير القوات وتحركها وتكتيكاتها القتالية وأهدافها المحتملة.

لا يزال تحالف الرياض-أبو ظبي يعتقد أنه يمارس احتواء مزدوجاً للحوثيين ولشركائه الميدانيين أيضاً خصوصاً الجيش الوطني، الذي دعمته الرياض طيلة الفترة الماضية، وحولت مسار عددٍ من ألويته للقتال في الحدود المشتركة بين المملكة واليمن، فيما يستمرُ النظرُ إلى هذا الجيش بعين الريبة والشك من طرف التحالف، باعتباره ذراعاً عسكريةً للإسلام السياسي المثير للجدل.

لقد أثارت تصريحات نائب الرئيس اليمني الفريق علي محسن صالح لإحدى الصحف المصرية مؤخراً الكثير من الجدل، بعد أن أظهر فيها تأييداً لمهمة العميد طارق العسكرية.

في الواقع هناك دوافع خاصة لنائب الرئيس لترميم ما تصدع من العلاقة بين عائلات سنحان الحاكمة، والتي تتعرض اليوم لممارسات مذلة على يد الحوثيين، وسط انكشاف لم يحدث لأية عوائل جمهورية حاكمة أخرى.

فقد بلغ بأبناء العشائر في مديرية سنحان أن تطوعوا للوقوف إلى جانب الحوثيين في مواجهة صالح ومؤيديه في السلطة؛ الذين ضخوا مليارات الريالات إلى هذه المديرية الواقعة إلى الجنوب الشرقي للعاصمة صنعاء، وأسهمت في تضخيم ثروات المئات من عائلاتها.

لكن أيضاً مواقف نائب الرئيس وغيره تعكس حجم الضغوط الذي يمارسها تحالف الرياض-أبو ظبي على الشرعية، إلى جانب أن بعض مكونات الشرعية تنفتح على ورثة صالح السياسيين من باب النكاية مع أطراف سياسية أخرى في معسكر الشرعية نفسها.

اليمن سيظل يدفع ثمناً باهضاً نتيجة استمرار التحالف في إعادة تدوير النفايات السياسية من شخصيات وأحزاب، والسعي إلى فرضها على اليمنيين بقوة السلاح.

إنه سلوك يعبر عن سوء لا سابق له، وما من شك أن التاريخ سيحتفظ في سجله الأكثر سواداً بحقيقة أن أسوأ حكام هذه المنطقة النفطية قد خصصوا جزءا كبيراً من ثروات بلادهم السيادية لإبقاء معظم سكان الوطن العربي يرزحون تحت حكم الدكتاتوريات التي ارتدت على أعظم ثورة مدنية في تاريخ العرب.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك