إصلاحات ابن سلمان.. رؤى صادقة أم "أضغاث أحلام"؟

لم يبدُ أمر الاعتقالات التي تواترت منذ شهر أيلول/ سبتمبر 2017 في المملكة السعودية غريبا كثيرا، خصوصا بعد أن عمدت المملكة إلى إزاحة ولي عهدها السابق الأمير "محمد بن نايف بن عبد العزيز آل سعود"، من منصبه كولي للعهد وكنائب لرئيس مجلس الوزراء ووزير للداخلية في 21 من حزيران/ يونيو 2017، ليتم إثرها تنصيب الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز" مكانه كصاحب مشروع حكم شبابي "تقدمي".

لكن "الطفل المدلل"، الذي صعد نجمه فجأة منذ فترة في المنطقة وعالميا، ليرتقي تدريجيا وبشكل متسارع إلى أعلى منصب في المملكة بعد منصب الملك الذي يشغله والده سلمان بن عبد العزيز "صوريا". ظهر بذلك على أنه الرجل الأول في بلاده كصاحب صلاحيات متعددة أو مطلقة. ليقوم بعزل وسجن العديد من أبناء أسرته، وآخرين من بينهم إعلاميين ودعاة ورجال أعمال، فضلا عن مجموعة من القضاة الذين كانوا يحتسبون على ابن عمه "محمد بن نايف" من قبل، وليتم إثرها اجتثاث أية شخصية أخرى قد تمثل عقبة في طريقه إلى قصر "البيعة" بالرياض.

سارع "ابن سلمان" إلى طرح ملفات قد لا تبدو سهلة في طرحها على المجتمع السعودي، ليقدم بذلك "رؤية 2030"، كمشروع إصلاحي تقدمي يتضمن عدة نقاط، من بينها إنشاء دور للسينما وقاعات مسارح بداية من هذا العام، بعد حظر دام أكثر من ثلاثة عقود. وكانت المملكة في شهر أيلول/ سبتمبر 2017، قد أصدرت أخيرا أمرا يقضي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وبالبدء في اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الصدد.

صاحبت هذه القرارات جوقة إعلامية بأكملها من الإعلام السعودي وحتى الأجنبي، لمباركة خطوات القائد الشاب، وللحديث عن حالة "التفاؤل" التي عرفتها المملكة بظهوره بفاعلية في المشهد السياسي.

ذلك أن ولي العهد الجديد، ذا الثلاثة وثلاثين ربيعا، وصفته صحيفة "ذي أوبزيرفر" البريطانية في مقال لها بـ"الشاب المتهور الطامح إلى العرش". أصبح واضحا بأنه لم يزل يسعى لكسب حاضنة غربية- أمريكية بالتحديد، في سبيل مواصلة حلمه في الحكم، ومن أجل دفع "أشباح الكابوس الفارسي" الذي لا زال يتمدد في المنطقة.

"محمد بن سلمان"، والذي جامله "ترامب" إثر ندوة صحفية في 20 من آذار/ مارس الماضي، قائلا: "أصبحنا صديقين جيدين خلال فترة قصيرة جداً". لم يدخر ترامب آنذاك وقتا ليوضح للعلن بأن هذا الدعم إن كان إلا لمصالح أمريكية بالدرجة الأولى.

كان ذلك جليا بعد أن علق ترامب في نفس الندوة الصحفية قائلا إن "الاستثمارات السعودية في بلاده ستخلق العديد من الوظائف"، وأنه إثر زيارته للمملكة في شهر أيار/ مايو 2017 قد جلب العديد من المليارات للولايات المتحدة الأمريكية، واصفا إياها بأنها مبلغ "زهيد" بالنسبة للسعودية.

وقد لا يعتبر توصيف الصحفي بجريدة الأوبزيرفر "سايمن تيسدال"، الذي وصف الابن السادس للملك سلمان بن عبد العزيز بـ"الشاب المتهور الطامح إلى العرش"، جائرا للغاية على الشاب الذي لم يتمم عاما على ولايته للعهد، لتنهمر تصريحاته ومواقفه من القضايا المختلفة داخل السعودية وخارجها، في ما يتعلق بقضايا حساسة.

جاء رأيه في مجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية صريحا بما فيه الكفاية بخصوص موقف المملكة من القضية الفلسطينية، ليؤكد أن للفلسطينيين والإسرائيليين الحق في امتلاك دولتهم الخاصة، وبأن "كل شعب في أي مكان له الحق في العيش بسلام".

تصريحات اعتبرها البعض معادية للقضية الفلسطينية، جاءت بطريقة ساذجة نوعا ما، لتبين تحول طبيعة العلاقات السعودية الصهيونية بين زمنين من السر إلى العلن.

فقد اعتبر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في غزة، "جميل مزهر" في تصريح له في 4 من شهر نيسان/ أبريل 2018، بأن تصريحات ولي العهد السعودي معادية للشعب الفلسطيني، مؤكداً أنها تكشف الدور الخبيث الذي يقوم به النظام السعودي في ضرب الاستقرار بالمنطقة العربية، خدمة للأهداف الأمريكية الصهيونية بالمنطقة، وبأنها تدل على انتقال العلاقة بين النظام السعودي والكيان الصهيوني من السرية المتواصلة منذ سنوات طويلة إلى العلن.

يقول "محمد بن سلمان" في تصريح إعلامي له منذ أن كان وليا لولي العهد في 22 نسان/ أبريل 2017، لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، أن الشعب السعودي لن يستمر في العيش في حقبة ما بعد عام 1979 وما صاحبته من موجة تطرف بالمملكة، فهل يحيل ذلك إلى عهد جديد قد تعرفه البلاد مع نهاية 2017، وكيف ستبدو ملامحها يا ترى بين زمنين؟

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك