التوازن المحسوب بين إيران وإسرائيل في سوريا

شكلت الضربة الإسرائيلية لأكبر مطار عسكري (تي فور) بريف حمص وسط سوريا، والتي أدت إلى مقتل 14 شخصا بينهم سبعة عسكريين إيرانيين، علامة فارقة في التوازن المحسوب بين إيران وإسرائيل في سوريا.

وجاءت الضربة التي شنها الطيران الإسرائيلي ضد قوات إيرانية في سوريا؛ بعد مجزرة كيماوي الغوطة التي ارتكبتها قوات النظام السوري بالتعاون مع إيران وروسيا، لتفتح تساؤلات حول إمكانية انجرار إيران وإسرائيل لتصعيد غير محسوب يؤدي لوقوع مواجهة بين الطرفين؟!

فقد أكد وزيران في إسرائيل على مواصلة "التحرك" . وكرر وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان القول إن "التمركز العسكري لإيران في سوريا يشكل تهديدا لأمن إسرائيل"، فيما قال وزير التعليم ورئيس حزب البيت اليهودي، المتطرف نفتالي بينيت: "لا يمكن أن تصبح حدودنا الشمالية باحة مفتوحة لـ[الرئيس السوري] بشار الأسد".

ولا تزال تل أبيب تتحسب من إمكانية استهداف إيراني أو سوري لأراضيها، ردا على الضربات العسكرية الغربية الأخيرة، أو انتقاما لقصف قاعدة "تي فور" الجوية، خصوصا وأن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، توعد بأن الضربة "لن تبقى من دون رد".

الدو الروسي.. توازن دقيق

وتؤكد تقارير إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لإمكانية ردّ انتقامي إيراني، وأنه يتحسب لجميع السيناريوهات سواء جوا بطائرات من دون طيّار، أم بقصف صاروخي ينفذ من الأراضي السورية.

وما لا شك فيه أن الضربة الإسرائيلية التي استبقت القصف الأمريكي والبريطاني والفرنسي، كانت تهدف إلى فرض إسرائيل لنفسها كطرف مسيطر على الحدود مع سوريا، ومنع كل ما من شأنه تمادي الدور الإيراني واقترابه من الحدود، بما يمثله ذلك من تهديد جديد للدولة الصهيونية. وفي سبيل ذلك، تجازف حكومة بنيامين نتنياهو باستفزاز إيران للتلويح لها بإمكانية نشوب معركة شاملة مع النظام الإيراني الذي يشكل برنامجه النووي مصدر تهديد محتمل للعدو؛ الذي هو غير راض عن توقيع اتفاق نووي غربي مع طهران لمنعها من تشكيل تهديد لإسرائيل، خصوصا مع سيطرة إيران على أجزاء حدودية قريبة من إسرائيل.

وفي هذا السياق، تلعب موسكو دورا مهما في لجم التصعيد المحتمل بين القوتين، وذلك ضمن تفاهم مع واشنطن لمنع انجرار المنطقة لتصعيد شامل قد يصعب السيطرة عليه إن تطور. ولا شك أن طهران ضبطت نفسها لإنجاز مهمتها بالسيطرة على سوريا ودعم النظام السوري، باعتباره الضمانة الوحيدة لتواجد إيران في المنطقة وحماية نفوذها الشيعي الطائفي فيها، وعلى الأخص قوة حزب الله في المواجهة المحتملة بلبنان، وضمان استمرار التواصل الجغرافي من طهران إلى سوريا عبر العراق، وصولا إلى لبنان والشاطئ السوري.

ولكن استمرار تحرش العدو بإيران قد يدفعها للرد، ما قد يثير سلسلة من الأفعال وردود الفعل، ويحرج الدور الروسي الذي تكفل بالحفاظ على التوازن الهش بين إيران وإسرائيل.

ولا ننسى أن كل طرف معني بتحقيق إنجاز في الساحة قد يتعثر معه الدور الروسي، ولكن أغلب الظن أن التوازن المحسوب سيبقى قائما بالجهد الروسي على الأقل.

موقف أمريكي منحاز

وفي المقابل، هناك انحياز أمريكي لإسرائيل جعل ترامب يحاول إقناع حلفائه الغربيين بأن الاتفاق النووي الذي أبرم مع طهران في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما غير كاف لمحاصرة إيران ومنعها من محاولة إنجاز اختراق في تحقيق تقدم بإنتاج قنبلة نووية تشكل رادعا لإسرائيل في المستقبل، وبما يضر بالتفوق الإسرائيلي نوويا في المنطقة.

وتستفيد إسرائيل من هذا الموقف بالحفاظ على غموضها النووي، وبإبقائها متفوقة على جيرانها في الإطار النووي، فضلا عن الأسلحة التقليدية. كما تستفيد إسرائيل من الإطار السياسي من خلال الانحياز الأمريكي لها ضد إيران، الأمر الذي يجعلها مرتاحة نسبيا في التصدي للوجود الإيراني في سوريا...

غير أن هذا الموقف قد يغري إسرائيل بمغامرات (مثل مغامرة التي فور)، ويضعف بالتالي الموقف الروسي ويدفعه لإعادة حساباته بتزويد سوريا أو إيران بمنظومة "أس-300" للصواريخ، والتي كان يؤجل تزويد إيران بها حتى ما قبل ضربة التي فور.

توازن محسوب

الأكبر في توازن الأوضاع في سوريا، في ظل انسحاب أمريكي وعدم وجود إجماع عربي الذي يتجه بجله نحو التحذير من خطر إيران، ويقدمه على خطر إسرائيل التي تشكل أصل الشرور في المنطقة.

إن التوازن السياسي مع أمريكا يظل قائما في ظل سعي روسيا لإنهاء العقوبات الغربية عليها بسبب سياساتها في القرم، وسيحد هذا من أي توسع للدور الروسي ولجما له في سوريا تحت بند الحوار في جنيف بعد فشل حوارات سوتشي.

وستظل سوريا منطقة صراع دولي وإقليمي حتى مع انتهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة، ولكن هناك شك في تطور الصراع بين طهران وتل أبيب إلى حرب، طالما أن حسابات كل طرف تصب في اتجاهات قد لا تتعارض مع بعضها البعض. ومن ذلك مناطق النفوذ والسيطرة في المنطقة.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك