عندما أضعنا البوصلة

كالمرجل الوقاد تغلي الوقائع في عالمنا العربي، أحداث ومستجدات وتفاعلات تعصف بالواقع من كل جوانبه، استبداد الداخل وجراحاته الراعفة، مؤامرات الخارج بكل صنوفها وألوانها ومسمياتها، حرب اقتصادية وأخرى ثقافية، صناعة للقلاقل والإشكاليات التي تزرع الأسى وتحرق بذار الأمل، وأغنيات عن الاستقلال يُطلب منا أن نقف إجلالا لها كل صباح!

وباستبعاد الجهل والأمية المعرفية والثقافية والتكنولوجية، نكون بالفعل أمام حالة عجيبة من الاستنزاف الذي يطيح بكل أشكال الحياة الآمنة، كما يستهدف كل أشكال المستقبل الواعد للجيل القادم. والمؤامرات باتت في العلن، وتكدس النزاعات في البيئات بات لا يختلف عليه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان.

وما بين هذا وذاك، تنتفي النخبة طوعاً أو كرهاً عن ديارها، وتعيش في غربتها وعزلتها القهرية، حالمة بالأمن والاستقرار تارة، أو طالبة للتغيير وانتظار الأفضل؛ حتى ولو من غير مسببات ومقدمات تارة أخرى.

ما أراه طبيعياً هو إغراق الشباب في دول الاستقرار والراحة في حالة الترف والهدوء، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير عن توجهاتهم وأخذ قسط من الراحة والدعة والسكون في أيام عملهم وعطلتهم. ولكن غير الطبيعي بتاتاً أن ترى شباب البلاد الأكثر تضرراً في الواقع يغرقون في الترف والملذات بلا رادع، ويمضون الأيام والليالي دون أي إنجاز، في حالة لا مبالاة تعبر عن مدى الألم من جهة، وعن مدى فقدان البوصلة نحو الغد من جهة أخرى.

الأدهى من ذلك والأمرّ أن جموعاً شبابية من شباب الدول المتأثرة بالثورات والأزمات والصراعات؛ باتت، من شدة رغبتها بالانعتاق من ضغوط السياسة وتوجهاتها، ضحية فعلية، ضحية للوقت والصحبة السيئة، وبدأت بالفعل تبحث عن المواقع والمقاهي والمجمعات السيئة في بيئاتها التي هجرت إليها.

ما بدأنا نسمعه من القصص من الأصدقاء والزملاء في أوروبا (ألمانيا وبلجيكا والنرويج والسويد)، وحتى في دول الجوار، مثل لبنان وتركيا والأردن، قصص غريبة جداً وتحتاج لوقفة جدية وعقلانية، فقد بات الشاب رهينة بالبيئة الساحبة الجاذبة، وبإمكاننا تكرار هذه الصورة على كثير من المجتمعات العربية الوافدة لدول اللجوء والشتات، سواء الأقليات المصرية واليمنية والعراقية والسورية ونحوها.

إن صورة بلادك معلقة بوجهك وسلوكك شئت ذلك أم أبيت، وقدرتك على أن تتخلص من ذلك تكاد تكون معدومة. فسلوكك الإيجابي سينعكس على مجتمعك، وسلوكك السلبي سينعكس عليه بالضرورة، ووجودك كعربي مسلم من بيئة تشهد القصف والدمار في بيئة راقصة مترفة فارهة ليست له كثير من الدلالات ممكنة الفهم خارج سياقاتها.

إن امتلاء المقاهي الفارهة، وامتلاء المطاعم الفاخرة في دول الشتات، أو وجود أعداد ليست بالقليلة من الشباب في الحفلات الساهرة - والتعميم هنا خطأ ولا ريب – له دلالة سلبية بالمطلق على البلاد التي وفد منها الشباب المهجّر، وإلا فما معنى أن ينفق الشاب في غربته ما قيمته 30 دولاراً بالحد الأدنى في سهراته الشبابية في المهجر، في وقت هو وكل من يعرفه يعلم أن هذه الدولارات يمكن لها أن تكون مصروف عائلة كاملة في سوريا ومصر واليمن لشهر كامل في ظل الحصار والتجويع والرعب السائد.

ورسالتي للشباب المهجر هنا، أن التهجير القسري الذي أعقب الثورات العربية وحالات الاحتراب العنيف في بلاد عربية متعددة؛ أمر مأساوي ولا شك، ولكن كل هذه الأزمات التي عصفت ببلادنا لا بد لها أن تكون نقطة تحول في تفكيرنا للمستقبل، نقطة ارتكاز لنا نحن الشباب للتفكير في الواقع والحال، والبحث عن مسارات الحلول وفرص الإبداع للتعامل مع الأزمات المتراكمة التي تجثم في طريق شعوبنا.

نعم إنها مسؤوليتكم، إن الأم المكلومة في درعا، واليتيم الخائف في تعز، والعجوز العاجز في درنة، والطفل المقاوم لوحده في القدس وحواريها، وجراحات الثكالى وعوائل الأسرى والشهداء في مصر وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين وغيرها؛؛ هؤلاء هم أمانة في أعناقكم، إن خنتم خانوا، وإن تهتم تاهوا، وإن عدتم وصحوتم اعتراهم الخير ولأمل والاستبشار بغدٍ أفضل برغم قساوة الحاضر وضراوته.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك