نافعة: نظام السيسي ضعيف ولن يصمد أمام غضب يتجمع الآن

قانون تحصين قادة الجيش من المحاكمات ربما يكون لإزاحة هؤلاء القادة؛ لينفرد السيسي بالحكم.


السيسي لا يفضل بقاء المسؤولين بمناصب حساسة لفترات طويلة.


لا أستبعد أن تكون الخلافات داخل الأجهزة السيادية من بين أسباب إقالة صدقي وعبد الغفار.


لو كان بوسعي أن أتنبأ بنية السيسي للترشح للرئاسة بعد الإطاحة بـ"مرسي"، لما ترددت في تأييد استمرار حكم الإخوان.


لن يكون بمقدور نظام السيسي أن يصمد في وجه غضب عارم تتجمع الآن مقدماته.


أغلبية الشعب تتمنى التخلص من السيسي ونظامه اليوم قبل الغد.

 

خروج الناس للشارع سيأخذ صورة انفجار عفوي مدفوع بالجوع أو الغضب .

 

منطق "أنا ومن بعدي الطوفان" هو ما يحرك النظام الحالي ويقود دفته.


تغيير "نظام التشغيل" للسلطة بتركيبتها الحالية يتطلب ثورة جديدة.

 

أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، حسن نافعة، أن نظام عبدالفتاح السيسي لن يكون بمقدوره أن يصمد في وجه غضب عارم يبدو أن مقدماته تتجمع الآن في الأفق البعيد، ولن يصمد إذا انفجر الغضب المكتوم، مشيرا إلى أن أجهزة الأمن المصرية قوية، لكن النظام نفسه ضعيف.


وقال نافعة، في الحلقة الأولى من مقابلته الخاصة مع "عربي21": "ليس بوسع أحد أن يضمن استمرار الصمت الشعبي تجاه ممارسات النظام، ومن ثم يمكن توقع حدوث الانفجار في أي وقت، لكنه لن يكون هذه المرة انفجارا منظما، وسيؤدي إلى حالة من الفوضى، خصوصا إذا وصل الجوع أو الغضب الناجم عن استفزازات وبلادة النظام الحاكم إلى حدود يصعب احتمالها".


ورأى أن الهدف الحقيقي للسيسي من قانون تحصين قادة الجيش من المحاكمات هو إزاحة هؤلاء القادة الذين شاركوه في صنع 30 يونيو؛ كي يتربع وحيدا على القمة، وينفرد بالحكم تماما، ولكي يضمن السيسي ألا يزاحمه أحد لا الآن ولا في المستقبل المنظور، ممن يتصورون أنهم شركاء في صنع نظامه، مقابل إغداق مزايا مادية وعينية عليهم.


وحول أسباب إقالة وزيري الدفاع والداخلية، صدقي صبحي ومجدي عبدالغفار، نوه إلى أن "السيسي يفضل عدم بقاء المسؤولين في مناصب حساسة لفترات طويلة أو أطول مما ينبغي في تصوره؛ حتى لا يتحول شاغل المنصب إلى مركز قوة. ومع ذلك لا استبعد احتمال وجود خلافات في وجهات النظر داخل الأجهزة السيادية، وربما كانت هذه الخلافات من بين العوامل التي دفعت السيسي لإقالة صدقي صبحي ومجدي عبد الغفار".


واختلف "نافعة" مع ما ذهب إليه الكاتب والدبلوماسي السابق، عز الدين شكري فيشر، الذي قال إن العسكريين سيتفقون على تنظيم انسحابهم من الحكم في حال نفاد رصيدهم خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن "العقلية التي تحكم مصر الآن ليست من النوع الذي يمكن أن يدرك متى وكيف ينسحب من الحكم، فهذا النظام لن يدرك خطورة ما يجري إلا بعد وقوع الزلزال. لذا أعتقد أن منطق أنا ومن بعدي الطوفان هو ما يحركه ويقود دفته".


وفي يلي نص الحلقة الأولى من المقابلة:

 

كيف ترى قانون تحصين قادة الجيش من المحاكمات في الداخل والخارج؟

 

هو قانون سيئ، وقد لا أكون مبالغا إن قلت إنه واحد من أسوأ القوانين التي ظهرت في تاريخ التشريع المصري الحديث، إن لم يكن الأسوأ على الإطلاق. أما أسباب ذلك فهي كثيرة ربما كان أهمها أن الدوافع الحقيقية لهذا القانون تتسم بالغموض، ولا توجد في الوقت نفسه مصلحة عامة واضحة تبرر إصداره.

 

وحين تكون الدوافع الكامنة وراء إصدار أي قانون غير واضحة، وحين يكون المستهدف أمورا أخرى غير تحقيق المصلحة العامة، فمن الطبيعي أن يثير الشكوك، وأن يؤدي صدوره إلى ظهور اجتهادات وتفسيرات متباينة قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة.


فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن تطبيق هذا القانون يمكن أن يثير إشكاليات عديدة بسبب ما قد يفضي إليه من حزازات ومن تعميق لمشاعر الكراهية والبغضاء بين شرائح عديدة في المجتمع، بما في ذلك داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فمن الطبيعي أن تصبح مساوئه أكبر بكثير من منافعه، إن كانت له منافع على الإطلاق. فالقانون الذي صدر لا يتضمن فقط تحصين قادة الجيش من محاكمات محتملة في الداخل والخارج، فهذا إجراء تحفظي قد يكون أو لا يكون له ما يبرره، خصوصا وأن صدوره لن يحول مطلقا دون محاكمات الخارج إن استوفت مثل هذه المحاكمات شروط انعقادها.


المسألة الأهم هنا تتعلق في تقديري بالمزايا المادية والمعنوية الكبيرة لقادة عسكريون لا نعرف بالضبط من هم ولا لأي غرض يكافؤون؟ الأرجح أنه سيتم اختيارهم لاحقا بواسطة رئيس الدولة وحده دون الاستناد إلى أي معايير عامة واضحة. فإذا كان معيار الاختيار يتعلق بالمساهمة في إنجاح انتفاضة أو "ثورة 30 يونيو"، فهذا النجاح لم يكن حكرا على حفنة من قادة الجيش، وإنما شاركت في صنعه قيادات أخرى كثيرة، أمنية ومدنية، منها قيادات شبابية بعضها يقبع في السجون الآن. فإذا كان الهدف هو التعويض عن مخاطر تم التعرض لها أو مقابل تضحيات قدمت بالفعل، فالذين خاطروا بحياتهم أو عرضوا أنفسهم للمخاطر بسبب ما حدث في يونيو كثيرون.


هو قانون ينطوي إذن على تمييز واضح بين مواطنين شاركوا في نفس الحدث وأسهموا في إنجاحه، وهذا أمر يخالف نص وروح الدستور والقانون وقد يتسبب في إثارة أحقاد كثيرة.


لماذا لجأ السيسي برأيك لهذا القانون الذي تشهده مصر لأول مرة في تاريخها الحديث؟


ليس لدي شخصيا إجابة نهائية صحيحة على السؤال، لكني أرجح أن يكون الهدف الحقيقي للسيسي هو إزاحة قادة الجيش الذين شاركوه في صنع 30 يونيو، لأنهم يعلمون تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم، ويعرفون أبعاد وحقيقة ما جرى، فقد كانوا بالقرب من المطبخ السياسي، وربما يكون بعضهم قد لعب أدوارا لا تقل أهمية عن دور السيسي نفسه، وبالتالي فقد يكون غرض السيسي من هذا القانون هو إزاحة هؤلاء القادة كي يتربع هو وحيدا على القمة وينفرد بالحكم تماما، ولكي يضمن السيسي ألا يزاحمه أي أحد لا الآن ولا في المستقبل المنظور، ممن يتصورون أنهم شركاء في صنع نظامه، مقابل إغداق مزايا مادية وعينية عليهم لن يدفعها أحد من جيبه الخاص، وإنما سيتحملها المواطن العادي وسيدفعها من عرقه وربما من دمه أيضا.


وهل هذا يعكس قلقا لدى السيسي كما قال البعض؟


لا أظن أنه يعكس قلقا بقدر ما يعكس حالة نفسية تنزع نحو التفرد وتتوق له ولا تقبل بأي حال من الأحوال أن يشاركها أحد فيما هي فيه من نعيم أو يعايرها أحد بجميل قدمه أو بتضحية قام بها يوما ما، ويبدو أنه من النوع الذي يصر على أنه وصل إلى ما وصل إليه بجهده الذاتي وليس مدينا لأحد.
ولماذا لم ينسحب هذا القانون على قادة الداخلية؟


ولماذا تخص قادة الداخلية فقط في هذا السؤال، فالذين شاركوا في صنع 30 يونيو أناس كثيرون كما أشرت من قبل ولا يقتصرون فقط على قادة الجيش أو الداخلية، وإنما يضمون قيادات مدنية وشبابية كثيرة، بعضها هارب ومطارد وبعضها في السجون.


بعد مرور 5 أعوام على بيان 3 تموز/ يوليو وأنت أحد الذين أيدوا هذا البيان في السابق.. كيف ترون هذا البيان حاليا؟ وما موقفكم الآن منه؟


كنا ننظر إلى ما يجري أمام أعيننا في هذا اليوم في ضوء حقائق ومعطيات تختلف تماما عن تلك التي راحت تتكشف تباعا فيما بعد. ففي اللحظة التي كان فيها السيسي يقرأ البيان الذي عُرف لاحقا باسم خارطة الطريق الجديدة كان الانطباع السائد ليس فقط لدى جمهور عريض من المواطنين، وإنما أيضا لدى قطاع واسع من النخب السياسية، أن الجيش تحرك لمساندة انتفاضة شعبية عفوية اندلعت للتعبير عن رفض واضح لحكم الإخوان، وليس طمعا في سلطة كان بوسع الجيش أن يظل محتكرا لها. فلم يكن لدى هؤلاء مانع من إسقاط مرسي، ولو بقوة السلاح، بسبب رفضه لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة والإدراك المتزايد من جانب قطاعات عريضة من النخب بأن الجماعة ليس مؤهلة بعد لحكم بلد في حجم مصر. وفي تقديري أن رفض مرسي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أكد انطباعا كان سائدا في ذلك الوقت مفاده أن الإخوان لن يتركوا السلطة مطلقا بعد أن وصلوا إليها من خلال صناديق الاقتراع في لحظة استثنائية من عمر الوطن.


ولأن الإخوان تنظيم لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة فلم يكن يعنيه في تلك الأيام سوى المضي قدما على طريق أخونة أجهزة الدولة كي يتمكن من البقاء في السلطة مدى الحياة. فالانتخابات بالنسبة له تجرى لمرة واحدة فقط. لكن الأهم من ذلك أن نصوص خارطة الطريق التي أُعلنت كانت تشير بوضوح إلى خطوات عملية محددة على طريق التحول الديمقراطي بدون الإخوان في البداية ثم بمشاركتهم في مرحلة لاحقة.


وفيما يتعلق بي شخصيا فإن أحد أهم الأسباب التي دفعتني لتأييد البيان في ذلك اليوم هو اعتقادي بأن خارطة الطريق بنصوصها التي أعلنت توا قادرة على إطلاق عملية جديدة للتحول الديمقراطي أكثر بعثا للطمأنينة مما كان يجري وقت حكم الإخوان. إذ لا يجب أن ننسى أن خارطة الطريق تضمنت ثلاث عناصر رئيسية كان يمكن لو تم احترامها وفق جدولها الزمني الأصلي أن تضمن تحولا آمنا نحو الديمقراطية، وهذه العناصر هي: 1- انتخابات برلمانية تسبق الانتخابات الرئاسية 2- قانون للعدالة الانتقالية يمكن بموجبه محاكمة كل من تجاوز ليس فقط في عهد مبارك وإنما أيضا إبان المراحل الانتقالية التي تعاقبت بعد ذلك 3- تشكيل لجنة عليا تكلف بإجراء مصالحة مجتمعية لتصفية رواسب الماضي ولإعداد البلاد نحو انطلاق آمن على طريق الديمقراطية الكاملة. غير أن هذه العناصر الثلاث تم إسقاطها أو لم تنفذ بالأمانة الواجبة.


فقد تقرر إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية، وكان من الطبيعي بعد أن أفصح السيسي عن نيته خوض الانتخابات الرئاسية أن تسعى أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة العميقة لإعادة رسم بنية النظام السياسي في مرحلة ما بعد 3 يوليو على مقاس رئيس جديد ينتمي للمؤسسة العسكرية وليس له أي خبرة سياسية سابقة؛ فبعد إعلان السيسي عن ترشحه لم يعد بمقدور أحد أن يتحدث عن قانون للعدالة الانتقالية ولا عن مصالحة مجتمعية، وبالتالي أغُلق الطريق مرة أخرى، ونهائيا هذه المرة، أمام احتمالات التحول الديمقراطي. وفي تقديري أنه ما لم يكن دستور 2014 قد أنجز بالفعل قبل أن يتخذ السيسي قراره بالترشح لما صدر الدستور على النحو الذي صدر به، وهو دستور لم يتم احترام العديد من نصوصه على أي حال.


هل لو عادت بك الأيام كنت ستؤيد بيان 3 تموز/ يوليو مرة أخرى؟


نعم كنت سأؤيد هذا البيان مرة أخرى بالتأكيد، بشرط أن تكون المعلومات المتاحة أمامي هي نفسها التي كانت متاحة حينئذ، وأن تظل مشاعري تجاه سلوك وتصرفات الإخوان في مرحلة ما بعد وصولهم إلى السلطة هي نفس المشاعر التي كانت سائدة في ذلك. لا تنسى أنني واحد من الناس الذين تعاملوا مع الإخوان بكثافة قبل وبعد 25 يناير، وقبل وبعد 30 يونيو، وأدركت من خلال هذا التعامل حجم الهوة التي تفصل بين زمنين: زمن ما قبل وصول الإخوان إلى السلطة وزمن الإخوان وهم في السلطة، فقد تبين لي بما لا يدع مجالا لأي شك إلى أي مدى كانت القلوب تبطن غير ما تتحدث به الألسن وكيف أن الأفعال لم تكن تتطابق مطلقا مع الأقوال.


الفرق الوحيد الذين كان يمكن أن يغير موقفي من بيان 3 يوليو هو إفصاح السيسي في هذا البيان عن نيته للترشح للرئاسة، ولو فعل لأعلنت رفضي لهذا البيان تماما ولأدركت وقتها على الفور أننا نتجه بالقطع نحو حكم عسكري وديكتاتوري مطلق، ولكان قراري على الفور هو استمرار تأييدي لحكم الإخوان، رغم ما انطوى عليه من تجاوزات على أمل أن نتمكن من تصحيح أخطائهم مستقبلا.


وعلى أي حال، هذا سؤال افتراضي لا جدوى منه ويستحيل الإجابة عليه بأمانة وموضوعية. فعجلة الزمن لا تعود للوراء أبدا، ولكل مرحلة خصوصيتها ومعطياتها، ومن العبث أن نحاول استبدال الأحاسيس والمعطيات بأثر رجعي لأننا نرى اليوم ما كان يستحيل أن نراه بوضوح منذ خمس سنوات، ولا تصدق أحدا إن قال لك إنه كان بوسعه حينئذ أن يرى بعيون زرقاء اليمامة.


السيسي قال إنه سيكون رئيسا لكل المصريين وسيفتح صفحة جديدة من أجل بناء الإنسان المصري.. فهل تعتقد أنه سيصدق فيما وعد به أم لا؟


هو لم يصدق في فترة ولايته الأولى ولا يوجد ما يشير إلى أنه سيصدق في فترة ولايته الثانية، رغم حديثه المتكرر عن بناء الإنسان وعن استعداده للعمل مع جميع التيارات باستثناء من يحمل السلاح ضد الدولة والمجتمع ومن يحرض على الفتن الطائفية. وعموما فأنا أتمنى من كل قلبي أن يصدق الرئيس هذه المرة وسأكون أول من يعلن تأييده له إن قرر أن يبدأ فترة ولايته الثانية بإشارات تؤكد صدق نواياه: كالإفراج عن جميع المعتقلين ظلما في السجون، والإعلان القاطع عن رفضه تعديل الدستور، والإقدام على طرح رؤية محددة للتحول الديمقراطي تنطوي على ضمانات قاطعة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة عام 2022.. إلخ.


إلى أي مدى أصبح نظام السيسي قوي ومتماسك ويحكم قبضته على الأوضاع بمصر؟


قوة أي نظام ودرجة تماسكه لا يمكن قياسهما من خلال درجة إحكام قبضة الأجهزة الأمنية على الأوضاع، تلك هي الخبرة المستمدة من قراءة التاريخ السياسي لمعظم مناطق العالم. فلم تكن قبضة الأجهزة الأمنية في إيران الشاهنشاشية ضعيفة عشية الثورة الإيرانية، ومن ثم لم يتوقع أحد أبدا انهيار نظام الشاه في ظل وجود جهاز السافاك بمثل هذه السهولة. ولم تكن قبضة أجهزة أمن نظام مبارك ضعيفة في ظل قيادة حبيب العادلي لها، ومع ذلك لم تستطع هذه الأجهزة أن تصمد في وجه المظاهرات العارمة التي اجتاحت مصر في 25 يناير وانهارت بعد أيام محدودة، إن لم يكن بعد ساعات من اندلاع هذه المظاهرات التي أجبرت مبارك على الرحيل غير مأسوف عليه.


ومن خلال مشاهداتي ومتابعتي للوضع السياسي الحالي في مصر أستطيع أن أقول بكل ثقة أن أجهزة الأمن قوية لكن النظام نفسه ضعيف، ومن ثم لن يكون بمقدور هذا النظام أن يصمد في وجه غضب عارم يبدو لي أن مقدماته تتجمع الآن في الأفق البعيد.


السيسي صادق مؤخرا على موازنة العام المالي الجديد.. فكيف ترون الأوضاع الاقتصادية؟ وإلى أين تتجه؟


لست خبيرا اقتصاديا، لكنني أدرك بما فيه الكفاية صعوبة الفصل بين السياسة والاقتصاد، فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنطلق إلا في ظل درجة عالية من الاستقرار السياسي الذي لا يمكن بدوره أن يتحقق في ظل أجواء التنافر والاستقطاب السياسي التي تعيشها مصر منذ سنوات وتزداد تعقيدا بمرور الأيام. ولكي تتحسن الأوضاع الاقتصادية يجب أن نبدأ بإزالة حالة الاحتقان السياسي القائمة حاليا وضمان مشاركة المجتمع المدني بكل قطاعاته في صياغة سياسات الإصلاح الاقتصادي المطلوبة حتى نستطيع أن نضمن توزيعا عادلا للأعباء الناجمة عنها في ضوء قدرة الشرائح الاجتماعية المختلفة على التحمل.


هل الصمت الشعبي على الغلاء والأوضاع الاقتصادية السيئة شيك على بياض للنظام ويُعد قبولا ورضا بالأمر الواقع؟


للصمت الشعبي على الغلاء وعلى الأوضاع الاقتصادية السيئة أسباب عديدة. أهمها: حالة الخوف الناجمة عن سطوة الأجهزة الأمنية، وتردد وإحجام الأغلبية الصامتة التي تخشى أن يؤدي نزولها إلى الشارع من جديد إلى زيادة الأوضاع سوء، وربما إلى إشاعة الفوضى بطريقة قد يصعب السيطرة عليها، أو تطورها إلى حرب أهلية قد تتحول مصر معها إلى دولة فاشلة أخرى تضاف إلى مجموعة الدول العربية الفاشلة. كليبيا أو العراق أو اليمن أو غيرها.


لكن الصمت الشعبي ليس علامة على الرضا، ومن ثم لا يمكن أن يكون بمثابة شيك على بياض لأحد. فليس بوسع كائن من كان أن يضمن استمرار هذا الصمت، ومن ثم يمكن توقع حدوث الانفجار في أي وقت، لكنه إن حدث فلن يكون هذه المرة انفجارا منظما وربما يؤدي إلى حالة من الفوضى الشاملة، خصوصا إذا وصل الجوع أو الغضب الناجم عن استفزازات وبلادة النظام الحاكم إلى حدود يصعب احتمالها.


هل نظام السيسي يشبه في تقديرك نظام عبدالناصر في استبداده وهيمنة العسكريين على كل كبيرة وصغيرة فيه أم لا؟


لا يوجد أي وجه شبه بين نظام عبد الناصر والنظام القائم حاليا. فشخصية عبد الناصر هي النقيض التام لشخصية السيسي، فمن المعروف أن عبد الناصر عرف السياسة منذ نعومة أظفاره وخرج في مظاهرات حين كان طالبا في المرحلة الثانوية ليهتف ضد الإنجليز مطالبا برحيلهم، وانخرط لبعض الوقت في عدد كبير من الأحزاب السياسية كي يتعرف على برامجها ومواقفها من قضايا الوطن والأمة، وفعل كل ذلك قبل أن يلتحق بالكلية الحربية.


أي أن عبد الناصر كان ناشطا سياسيا حين التحق بالكلية الحربية ولديه رؤية شبه مكتملة عن الوضع السياسي في مصر، وشارك بعد تخرجه في حرب 48 التي أدرك من خلالها خطورة المشروع الصهيوني وما يمثله من تهديد ليس فقط على أمن مصر الوطني وإنما على الأمن القومي العربي.


أما السيسي، فلم يعرف السياسة أو يشارك فيها قط في أي مرحلة من حياته، لا في مرحلة الشباب ولا في أي مرحلة أخرى منذ ولادته وحتى ثورة يناير 2011، بل إنه لم يشارك فعليا في أي من الحروب التي خاضتها مصر في مواجهة إسرائيل، وبالتالي لم تسمح له الظروف بهضم وإدراك كافة الأبعاد المتعلقة بنظرية الأمن الوطني المصري وعلاقتها بالأمن القومي العربي، وترعرع في جيش يختلف كليا عن الجيش المصري الذي عهدناه فيزمن المواجهة مع إسرائيل.


صحيح أن النظام السياسي الذي يقوده السيسي حاليا يشبه إلى حد كبيرا النظام الذي كان سائدا قبل ثورة يناير والذي تم وضع لبناته الأولى في زمن عبد الناصر، لكن ليس معنى ذلك أبدا وجود أي وجه شبه بين زمن عبد الناصر وزمن السيسي لا على صعيد السياسة الداخلية ولا على صعيد السياسة الخارجية. حتى نوعية الرجال الذين كان يختارهم عبد الناصر لمساعدته في تحمل أعباء الحكم يبدون مختلفين تماما عن نوعية الرجال المحيطين بالسيسي الآن. فقد اعتمد عبد الناصر في إدارته للبلاد على رجال من أمثال كمال رفعت وثروت عكاشة وصدقي سليمان وعزيز صدقي. حتى رجال الأمن الذين سيطروا على مفاصل الحكم في زمن عبد الناصر كانوا أيضا من نوعية مختلفة، وكانوا أكثر كفاءة من الناحية المهنية أيضا.


ليس معنى ذلك أنني أترحم على نظام عبد الناصر أو أتمنى عودته، فقد كنت من أوائل من انتقدوا جوانب عديدة في التجربة الناصرية ومن أوائل من قالوا صرحة في دراسات أكاديمية موثقة أن نظام عبد الناصر السياسي، وهو نظام أمني في المقام الأول، هزم مشروع عبد الناصر الوطني، ومن ثم أصبح عبد الناصر هو القاتل والقتيل في الوقت نفسه.


كيف ترون إقالة الفريق صدقي صبحي ومجدي عبدالغفار من وزارتي الدفاع والداخلية؟


ليس لدي معلومات تسمح بالإفتاء لتفسير ما حدث أو لتوضيح حقيقة الأسباب والدوافع التي أدت إلى إقالة صدقي صبحي ومجدي عبد الغفار في خطوة مفاجئة وغير متوقعة، لكن يبدو لي أن السيسي يفضل عدم بقاء المسؤولين في مناصب حساسة لفترات طويلة، أو أطول مما ينبغي في تصوره، حتى لا يتحول شاغل المنصب إلى مركز قوة. ومع ذلك لا استبعد احتمال وجود خلافات في وجهات النظر داخل الأجهزة السيادية أو أن تكون هذه الخلافات من بين العوامل التي دفعت السيسي لإقالة صدقي صبحي ومجدي عبد الغفار.


الدكتور عز الدين شكري فشير كان له مقال بعنوان: "لماذا سيتخلى العسكريون عن الحكم في مصر؟"، مؤكدا أن العسكريين سيتفقون على تنظيم انسحابهم من الحكم في حال نفاذ رصيدهم خلال الفترة المقبلة.. هل تتفق معه فيما ذهب إليه؟


أكن تقديرا كبيرا للدكتور عز الدين شكري فيشر، وهو دبلوماسي وكاتب وسياسي موهوب، وأعتز شخصيا بأنه كان أحد تلاميذي الذين تخرجوا من قسم العلوم السياسية الذي شرفت برئاسته لفترة طويلة، لكني أختلف معه في بعض جوانب التحليل الذي ورد في المقالة التي أشرت إليها في سؤالك، والتي قرأتها بعناية.


ففي تقديري أن العقلية التي تحكم مصر الآن ليست من النوع الذي يمكن أن يدرك متى وكيف ينسحب من الحكم، ولا أظن أن بوسع النظام الذي يدير مصر الآن أن يشعر أو يدرك أو لديه من الآليات ما يساعده على الاقتناع بأن رصيده نفذ فعلا أو يوشك على النفاذ أو أن هناك حاجة ماسة لتغيير "نظام التشغيل", كما يقول عز الدين شكري في مقالته الممتعة. فالنظام الحالي لن يكون بمقدوره أن يدرك خطورة ما يجري إلا بعد وقوع الزلزال، وأعتقد أن ما يحركه ويقود دفته هو منطق أنا ومن بعدي الطوفان.


تغيير "نظام التشغيل" الذي تحدث عنه فيشر يحتاج إلى عمل مخطط ومدروس، لا أظن أن النظام بتركيبته الحالية يملك أدواته، ومن ثم أظن أنها مسألة خارج نطاق قدراته، وتستدعي في حد ذاتها ثورة جديدة.


متى قد تأتي لحظة تخلي العسكريون عن حكم مصر بحسب تصورك؟ وهل تتوقع خروج الشعب خلال الفترة المقبلة لسحب الشرعية من السيسي ونظامه؟


في تقديري أن الأغلبية تتمنى التخلص من السيسي ونظامه اليوم قبل الغد، لكن الجماهير لن تخرج إلى الشارع حاليا للمطالبة بسحب الثقة منه لأسباب كثيرة، منها الخوف من بطش الأجهزة الأمنية، ولعدم وجود بديل جاهز لتولي السلطة، خصوصا وأن أزمة الثقة بين النخب والفصائل المختلفة، خاصة بين التيارين الإسلامي والعلماني، ما تزال قائمة وتتجه نحو مزيد من التفاقم وليس إلى البحث المشترك عن مخرج.


وإذا حدث اندفاع نحو الشارع، فسيأخذ صورة انفجار جماهيري عفوي مدفوع بالجوع أو بالغضب من استفزازات النظام وبلادته، لكن الخروج إلى الشارع هذه المرة سيؤدي إلى تفاقم الأزمة وزيادتها تعقيدا بدلا من حلها. لذا أفضل أن يأخذ التغيير شكلا آخر، حتى ولو كان من النوع الذي يتنبأ به عز الدين فيشر، وإن كنت أستبعد حدوثه؛ لأنه ضد منطق الأمور.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك