نافعة يدعو لبلورة خارطة طريق جديدة للخروج من الأزمة المصرية

• أدعو لحوار مجتمعي واسع النطاق يضم مختلف القوى لصياغة خارطة سياسية جديدة تتضمن حلولا مرحلية

 

• القوى السياسية مُطالبة بالدخول في حوار جدي بعد مراجعة نقدية للأفكار والمواقف السابقة

 

• مستعد للتعاون مع الجميع من أجل توحيد الصف والمشاركة في صياغة رؤية جديدة للمستقبل

 

•النظام سيتغير حال توحد كل فصائل المعارضة وتشكيل بديل يمكن الاعتماد عليه داخليا وخارجيا

 

•هذه أسباب فشل مبادرتي السابقة.. وإرادة المصالحة عند النظام ما تزال غائبة • جماعة الإخوان ليست في وضع يسمح لها بأن تتجه نحو المصالحة حتى لو أرادت

 

•أتحدى أن يقبل السيسي طرح برنامج لتحول ديمقراطي حتى ولو استغرق 25 عاما

 

•لن ينفتح أفق لحلول حقيقية تخرج الأوطان العربية من أزمتها قبل انتهاء حالة السيولة الراهنة

 

•سيُعاد رسم الخريطة الشرق أوسطية وفقا لموازين القوى في النظام الدولي الجديد

 

• شهر نوفمبر المقبل سيشكل منعطفا مهما في تاريخ المنطقة إذا حُرمت إيران من تصدير نفطها

 

•ملامح النظامين العالمي والإقليمي الجديدين ستتضح مع بداية عام 2019

 

•دول الخليج في وضع بائس وفاقدة تماما لإرادتها السياسية وغير قادرة على حماية أمنها

 

•إسرائيل هي المستفيد الأول من استعداء إيران.. وتمرير صفقة القرن لن يعتمد على وجود السيسي

 

•صفقة القرن لن تمر ولن يكون بمقدور أي طرف إقليمي أو دولي فرضها على الفلسطينيين

دعا أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حسن نافعة، إلى بلّورة خارطة طريق جديدة وصياغة حلول مرحلية للخروج من الأزمة المصرية الحالية، وهو ما لن يحدث برأيه إلا بتوافر شرطين هما: اقتناع المؤسسة العسكرية بضرورة العودة إلى الثكنات، واقتناع جماعة الإخوان بأن من مصلحتها حل نفسها ذاتيا ودعوة من يرغب من أعضائها في ممارسة النشاط السياسي أن يقوم بذلك من خلال حزب يمارس نشاطه علنا ووفقا للقواعد القانونية والدستورية.


واستدرك قائلا: "ولأن هذين الشرطين لم ينضجا بعد على أرض الواقع يتعين أن تتكفل الحلول المرحلية ببحث أنسب السبل الكفيلة بدفع كل من جماعة الإخوان والمؤسسة العسكرية للوصول إلى تلك القناعات وضمان مشاركتهما بفاعلية في إحداث التحول الديمقراطي المطلوب".


وأكد نافعة، في الحلقة الثانية من مقابلته الخاصة مع "عربي21" أن "تفاصيل خارطة الطريق الجديدة المطلوبة لإخراج مصر من أزمتها الراهنة وما تتضمنه من حلول مرحلية يتعين أن تنبع وتُصاغ عبر حوار مجتمعي واسع النطاق يضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية في الداخل والخارج".


وأشار نافعة، الذي شغل سابقا منصب المنسق العام للحركة المصرية ضد التوريث، ثم منسق الجمعية الوطنية للتغيير، التي ساهمت في التمهيد لثورة يناير وقادت الحراك الثوري حينها، إلى أنه في حال وجدت دعوته قبولا عند مختلف فصائل المعارضة المصرية، وطُلب منه أن يقوم بأي دور يساعد على وضع خارطة الطريق الجديدة موضع التطبيق، فلن يتردد مطلقا.


وطالب القوى السياسية المختلفة بسرعة الدخول في "حوار جدي بعد مراجعات نقدية للأفكار والمواقف السياسية السابقة في ضوء الخبرات المكتسبة منذ ثورة يناير"، لافتا إلى أن "العقبة الكأداء أمام المصالحة تكمن في غياب إرادة المصالحة عند النظام، وحين تتوافر هذه الإرادة سيكون بوسع النظام حينئذ أن يمهد لمصالحة مجتمعية حقيقة".


وفي يلي نص الحلقة الثانية والأخيرة من المقابلة:


السيسي قال سابقا إن أمام مصر 25 سنة كي تكون مستعدة للديمقراطية.. ما تعقيبكم؟


هذا كلام لا يستحق التعقيب عليه، وقد سبق لرئيس الوزراء المصري الأسبق، الدكتور أحمد نظيف، أن عبّر عن فكرة مشابهة لكن أحدا لم يأخذه على محمل الجد، لأن الكل فهم ما قاله "نظيف" على أنه نوع من التهرب من الوفاء بالاستحقاقات الديمقراطية وتبرير لمظاهر الاستبداد القائمة، المشكلة أن كل النظم التي حكمت مصر منذ عبد الناصر وحتى الآن لا تؤمن بالديمقراطية وتتشبث بمواقعها حتى الموت، متعللة بعدم نضج الشعب أو عدم جاهزيته لممارسة الديمقراطية الصحيحة وربما الخوف من استغلال الحريات المتاحة لإثارة الفوضى بشكل دائم. ولو كانت حكومة أحمد نظيف قد وضعت برنامجا للتحول الديمقراطي بعد ربع قرن لكانت مصر الآن تعيش ربيعا ديمقراطيا حقيقيا.


أنا شخصيا مستعد لقبول برنامج للتحول الديمقراطي خلال 25 عاما يطرحه السيسي، لكني أتحدى أن يقبل السيسي طرح برنامج من هذا النوع. الحقيقة المرة أنه لم يوجد في مصر بعد ذلك الحاكم الذي يمكن أن يكون مستعدا للقبول بتقييد سلطاته على أي درجة، ولو تدريجيا وعلى مراحل ومن خلال جدول زمني زمني ملزم متفق عليه سلفا.


هل مصر برأيك بحاجة لخارطة طريق جديدة للخروج من أزمتها الراهنة؟


نعم. نحن في أمس الحاجة بالفعل إلى خارطة طريق جديدة وإلى حلول مرحلية مترابطة الحلقات تضمن تنفيذ بنود هذه الخارطة بالكامل، لكن خارطة الطريق التي أدعو لها يصعب أن تكتمل معالمها وتصبح جاهزة لوضعها موضع التنفيذ إلا بعد توافر شرطين أساسيين. الأول: اقتناع المؤسسة العسكرية بضرورة العودة يوما ما إلى الثكنات والابتعاد الكامل والنهائي عن التدخل في شؤون الحكم، والبدء في المشاركة في حوار مع القوى السياسية وقوى المجتمع المدني للتحضير لهذه الخارطة التي يتعين أن يكون هدفها الأساسي والوحيد التوافق حول أسس بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة في مصر.


والشرط الثاني: اقتناع جماعة الإخوان بأن مصلحة الوطن، وربما مصالحها هي أيضا على المدى الطويل، تفرض عليها أن تقدم على خطوة شجاعة بحل نفسها ذاتيا ودعوة من يرغب من أعضائها في ممارسة النشاط السياسي أن يقوم بذلك من خلال الانخراط في حزب يتبنى البرنامج السياسي لجماعة لإخوان، إن كان لدى الجماعة مثل هذا البرنامج فعلا، شريطة أن يمارس هذا الحزب نشاطه السياسي وفق الضوابط التي يحددها الدستور وتنظمها اللوائح والقواعد والقوانين المتعلقة بالممارسات الحزبية.


ولأن هذين الشرطين لم ينضجا بعد على أرض الواقع، يتعين أن تتكفل الحلول المرحلية ببحث أنسب السبل الكفيلة بإنضاجهما ولدفع كل من جماعة الإخوان والمؤسسة العسكرية للوصول إلى تلك القناعات وضمان مشاركتهما بفاعلية في الحوار المجتمعي المطلوب حول شروط التحول الديمقراطي في ضوء التجربة والخبرة المستفادة مما جرى بعد 25 يناير و30 يونيو. فتفاصيل الخريطة الجديدة التي اقترحها والحلول المرحلية التي تتضمنها يتعين أن تنبع وتُصاغ عبر حوار مجتمعي واسع النطاق يضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية في الداخل والخارج.


دعوت المعارضة إلى الاتفاق أولا على كيفية إدارة مرحلة انتقالية جديدة تؤسس لنظام يضمن تداولا سلميا للسلطة.. فهل هناك تعاط إيجابي مع دعوتكم؟


أنا لست ناشطا سياسيا، ولا أريد أن أكون، ومن ثم فلم أتوجه بأي دعوة لأي طرف واكتفي فقط بطرح أفكاري على الرأي العام كاجتهاد شخصي لكاتب أو باحث في علم السياسة. ولأنني على صلة في الوقت نفسه بمختلف القوى السياسية، سواء بحكم المهنة أو بحكم الظروف السياسية التي دفعتني أحيانا لممارسة أدوار تقترب من دور الناشط السياسي، فأنني كنت شديد الحرص دائما على الوقوف على مسافة واحدة من القوى والتيارات المختلفة، انطلاقا من قناعاتي الشخصية ومن إيماني بأن العمل الجماعي هو وحده الكفيل بإخراج مصر من أزمتها العميقة الراهنة. لكن إذا اقتنعت مختلف فصائل المعارضة بالفكرة التي طرحتها حول الحاجة الماسة لمرحلة انتقالية جديدة، وطلبت مني أن أقوم بأي دور يساعد على وضعها موضع التطبيق، فلن أتردد مطلقا، وأنا مستعد للتعاون مع الجميع من أجل توحيد الصف والمشاركة في صياغة رؤية جديدة للمستقبل. لكني أعتقد أن الظروف لم تنضج بعد بالقدر الكافي.


كنت أحد الذين قدموا سابقا مبادرة لإنهاء الأزمة المصرية لكنها فشلت.. لماذا؟


لم تكن مبادرتي هي وحدها التي فشلت، وإنما فشلت مبادرات كثيرة قبلها. ومن المهم أن تتذكر ويتذكر معك القراء الأعزاء أنني حرصت فيما طرحت فيها من الأفكار على التركيز على آلية الحل وليس على إجراءاته. أما أسباب فشل هذه "المبادرة" فهي كثيرة، ربما كان أهمها عدم تجاوب النظام الحاكم مع فكرة المصالحة المجتمعية من حيث المبدأ، لاعتقاده أن المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى سياسة أو سياسيين ولا إلى أفكار ومفكرين ولا إلى حوارات ومتحاورين، وإنما تحتاج أولا وقبل كل شيء إلى مؤسسة عسكرية تقود وتتحكم وتقرر وحدها وإلى أجهزة أمنية تنفذ باستخدام وسائل القمع والإرهاب فقط.


وفي تقديري أيضا أن موقف جماعة الإخوان من فكرة المصالحة الاجتماعية كان وما يزال يتسم بالغموض، وعلى أي حال فالجماعة ليست الآن في وضع يسمح لها باتخاذ قرار في مسألة حساسة كالمصالحة حتى لو أرادت. فمعظم قادة الجماعة في السجون، والباقي هارب في دول بينها وبين مصر خلافات سياسية حادة تغري باستخدامهم كأدوات في صراع دولي، وشباب الإخوان حائر ومنقسم على نفسه وربما يكون بعضه قد انخرط بالفعل في صفوف الجماعات الإرهابية وبدأ يقتنع بأن التغيير لن يتم إلا بالقوة وليس عبر صناديق الاقتراع. ويجسد هذا الوضع جوهر المأساة التي تعيشها مصر اليوم. لكن المشكلة الأكبر في رأيي تتعلق بالنظام الحاكم بأكثر مما تتعلق بالإخوان؛ فهذا النظام هو وحده الذي يستطيع تمهيد الطريق نحو مصالحة مجتمعية حقيقة لو توافرت لديه النية والإرادة، لكن إرادة المصالحة عنده ما تزال غائبة حتى الآن.


ما هي فرص الحلول السياسية برأيك؟


هي فرص تبدو لي شحيحة أو ضعيفة في الوقت الحاضر، لأسباب كثيرة شرحت بعضها عند إجابتي على أسئلة سابقة في الحلقة الأولى من مقابلة "عربي21". لكني أظن أن هناك سبب آخر يتعلق بتأثير العامل الخارجي على الداخل العربي بمختلف مستوياته ومكوناته. ففي تقديري أن العامل الخارجي لا يساعد على البحث عن حلول بل ويكاد يسد تماما أفق البحث عن حلول لأزمات مجتمعاتنا العربية وليس المجتمع المصري فقط.


وأعتقد أنه لن يتوافر أفق يساعد على البحث عن حلول حقيقية تخرج الأوطان العربية من أزماتها، وليس مصر وحدها، ما لم تتحدد أولا معالم النظامين العالمي والإقليمي، وأقصد بالنظام الإقليمي هنا النظام الشرق أوسطي وليس النظام العربي الذي تفكك وانتهى وخرج بالفعل من معادلة التوازنات الإقليمية. فالنظامان العالمي والشرق أوسطي هما الآن في حالة سيولة كاملة وتجري محاولات لإعادة رسم خرائط جديدة للمنطقة وللعالم في غياب تام للدول العربية وبمشاركة نشطة من جانب ثلاث قوى إقليمية هي: إسرائيل وإيران تركيا، إلى جانب قوى عالمية عديدة لها مصالح كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وحين تتحدد الملامح العامة لهذين النظامين سيُعاد رسم خريطة شرق أوسطية جديدة وفقا لموازين القوى التي ستسفر عنها التفاعلات الجارية حاليا في المنطقة وفي العالم ككل، وهي تفاعلات ما تزال في حالة فوران لم يهدأ بعد، وحين تستقر هذه التفاعلات وتهدأ الصراعات الدولية والإقليمية الجارية حاليا ستنفتح الأفاق لتسويات داخلية تتناسب مع الموازين الجديدة ومع مصالح القوى الدولية والإقليمية الأكثر تأثيرا.


أليس من المطلوب حاليا التفكير في حلول من خلال آليات غير تقليدية ومن خارج الصندوق للبحث عن مخرج للأزمة السياسية؟


العثور على حلول وآليات من خارج الصندوق يتطلب توافر درجة من النضج لم تصل إليها القوى السياسية بعد، كما يتطلب مناخا سياسيا يساعد على دخول القوى السياسية المختلفة في حوار جدي يبنى على مراجعات نقدية للأفكار والمواقف السياسية السابقة في ضوء خبراتها المكتسبة منذ ثورة يناير. هذا المناخ لم يتوافر بعد ويتعين العمل على توفيره في أسرع وقت ممكن.


الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، قال إن السيسي أصبح متسولا عند أقدام حكام دول الخليج العربي.. كيف استقبلت هذا التصريح؟ وكيف ترى علاقة الخليج بمصر حاليا؟


أعرف الدكتور عبد الخالق عبد الله شخصيا منذ فترة طويلة وأكن له كل التقدير على المستويين الإنساني والأكاديمي، لكنني أختلف جذريا مع معظم ما يطرحه من تحليلات وما يتوصل إليه من استنتاجات ومواقف سياسية. ولأنني أومن بأن الخلاف في الرأي لا يجب أن يفسد للود قضية، أعتب عليه استخدامه لألفاظ حادة لا تليق برجل أكاديمي. لذا لا أستطيع كمواطن مصري أن أقبل منه لفظ التسول الذي ورد في سؤالك. فهذا اللفظ - إن كان قد صدر عن الرجل فعلا- ينطوي على معان جارحة ومن ثم لا يصح أن تصدر منه، خصوصا وأنه كان وربما ما زال يشغل منصبا رسميا أو شبه رسمي كمستشار في دولة الإمارات.

لذا أكرر أن العبارة التي نطق بها لا تليق برجل أكاديمي وسياسي، وبالتالي أرفضها بشدة وأطالبه بالاعتذار عنها.


فالسيسي، رغم اختلافي التام مع سياساته ومواقفه، هو أولا وقبل كل شيء رئيس الدولة المصرية ورمزها، ومن ثم لا أستطيع أن أقبل أن توجه له إهانة من هذا النوع، لأنها لا تحط من قدره هو كشخص أو حتى كحاكم وإنما تحط من قدر الشعب المصري ومن كرامته أيضا. ربما يكون بوسعي كمواطن مصري أن أقول مثلا إن السيسي هو أسوأ حاكم شهدته مصر منذ سقوط أسرة محمد علي وأن تصرفاته توحي بُعقد نفسية كثيرة، وهو كذلك فعلا من وجهة نظري، لكن هذا الحق لا يملكه لا عبد الخالق عبد الله ولا غيره ممن لا يحملون صفة مواطن مصري، حتى ولو كان بدافع الحرص على مصر الدولة أو الدور أو القيادة، فبقاء السيسي أو رحيله أمر مرهون بإرادة الشعب المصري وحده.


أما الشق الآخر من سؤالك والخاص بعلاقة مصر بدول الخليج، فتبدو لي الآن علاقة غير سوية أو غير صحية للأسف الشديد. اما الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع فهي كثيرة، بعضها وأهمها يعود إلى النظام المصري نفسه، أما بعضها الآخر فيعود إلى دول الخليج العربي التي تشهد حاليا أزمة بنيوية عميقة.

 

فالنظام الحاكم في مصر عجز عن بناء دولة عصرية تستطيع أن تقود عالمها العربي، رغم امتلاك مصر لكافة المقومات التي تؤهلها للقيام بهذا الدور.


لذا تبدو مصر في أعين الجميع، وليس في أعين دول الخليج وحدها، دولة ضعيفة غير مستقرة سياسيا، وبالتالي غير مؤهلة لا لتبوؤ موقع القيادة في النظام العربي ولا حتى للدفاع عن استقلالية قرارها والذود عن كرامتها وكرامة شعبها، ولذا فكثيرا ما تضع نفسها في موقف المحتاج الذي يمد يده ويستثير شفقة أو شماتة أشخاص من نوع عبد الخالق عبد الله وغيره.


أما دول الخليج، فرغم ما تملكه من ثروات ضخمة ناجمة عن مواردها النفطية، إلا أنها تبدو فاقدة تماما لكل المقومات الأخرى التي تساعد على صناعة الأمم. فهي في مجملها لا تمتلك إرادتها السياسية وتعتمد في حماية أمنها الوطني بل وحماية ثرواتها نفسها على قوى خارجية تسعى الآن لابتزازها واستنزافها.

ولو كانت لدى دول الخليج رؤية تدرك معنى التكامل العربي وتؤمن به لاستطاعت أن تتبنى سياسات أكثر فعالية في حماية ثرواتها وحماية المستقبل العربي ككل. لكنها للأسف تبدو في وضع بائس بسبب ما تتسم به سياساتها من أنانية شديدة وبسبب عمق الخلافات والانقسامات فيما بينها، ومعظمها خلافات قبلية أو شخصية يسهل تغذيتها من الخارج. فحتى وقت قريب كنا نتصور أن مجلس التعاون الخليجي لديه مقومات للوحدة والصمود أكبر مما تملكه جامعة الدول العربية، ومن ثم فقد تبقى خيمة عربية قادرة على الصمود في وجه الأعاصير، لكن هذه النظرية سقطت بدورها بعد أن تبين أن معظم دول الخليج العربي تتصرف بأنانية شديدة ويسعى كل منها لإنقاذ رقبته ولو بالسير فوق جثث الآخرين.

ومعظم هذه الدول للأسف أيضا لا تدرك قيمة مصر رغم أيادي مصر البيضاء عليها في أزمنة غابرة، ولا تدرك أهمية مساعدة مصر على التغلب على مشاكلها وإعادة تأهيلها لقيادة العالم العربي، وبعضها يعتقد للأسف الشديد أن إيران أصبحت هي العدو، وأن التخلص من النظام الإيراني سيوفر لها الأمن والأمان، لكنها لم تدرك بعد بما فيه الكفاية أن استعداء إيران سياسة إسرائيلية ثابتة لم تتغير، وأن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى في جر الولايات المتحدة ودول الخليج العربي نحو صدام شامل مع إيران.


أظن أنه لم يعد يخفى على أحد أن إسرائيل تسعى بكل جهدها منذ فترة طويلة لجر الولايات المتحدة نحو صدام شامل مع إيران والعمل على إسقاط نظامها، وقد فشلت في هذا المسعى مع إدارة أوباما لكن يبدو أنها بدأت تنجح الآن وبشدة مع إدارة ترامب الذي أقنعته بالانسحاب من الاتفاق النووي، كخطوة أولى على طريق الانزلاق نحو صدام شامل مع إيران.


المذهل في الأمر أن بعض دول الخليج تعتقد أن العداء الأمريكي المتصاعد تجاه إيران يصب في مصلحتها، وأن الولايات المتحدة تفعل ذلك من أجلها هي، وتلك سذاجة تصل إلى درجة الحماقة الكبرى.

فإسرائيل هي المستفيد الأول وربما الوحيد من هذه السياسة. فمن الواضح تماما أن التصعيد في مواجهة إيران يحقق لإسرائيل هدفين رئيسيين. الأول: إغراء دول الخليج العربي بالتخلي عن مساندتهم للقضية الفلسطينية تمهيدا لتصفيتها نهائيا في إطار "صفقة القرن"، والثاني: تدمير محور المقاومة الذي تشكل إيران ركيزته الأساسية.


ولا يخالجني أي شك في أنه ما إن تفرغ إسرائيل من تحقيق هذين الهدفين الكبيرين فتصبح كل دول الخليج العربي منطقة نفوذ خالصة لها وحدها. وأعتقد أن إسرائيل تشعر الآن أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من ثروات الخليج التي تطمع فيها منذ فترة طويلة. فإسرائيل تدرك أن هذه الثروات الخليجية ستسقط في حجرها كثمرة ناضجة في النهاية، إن آجلا أو عاجلا. كل هذا يتم بينما مصر تبدو غائبة أو مغيبة عن الساحة وعاجزة أو مشلولة بفعل فاعل.


كيف ترى فرص نجاح صفقة القرن؟ وما هو الثمن المدفوع مقابل هذه الصفقة؟


صفقة القرن هي مؤامرة كبرى تخطط لها وتحركها إسرائيل لكن الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب هي التي تمسك بعجلة القيادة. الهدف الرئيسي من هذه الصفقة- المؤامرة هو تصفية القضية الفلسطينية نهائيا بالعمل على محورين رئيسيين. الأول: تمكين إسرائيل من السيطرة الكاملة على القدس، قلب المشروع الصهيوني وروحه، وهو ما تم بالفعل، مع الاستعداد للموافقة على منح الأردن إن اقتضت الضرورة حق الإشراف مرحليا على المسجد الأقصى إلى أن تتوافر بيئة محلية وإقليمية ودولية أفضل لهدمه وإعادة بناء الهيكل مكانه. الثاني: توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم أو البحث عن مواقع جديدة تقام فيها مشروعات تتيح لهم فرص عمل أفضل، فالذين يحاولون إنضاج الصفقة يتعاملون مع قضية اللاجئين بوصفها قضية إنسانية ومشكلة اقتصادية في الوقت نفسه وليست قضية سياسية غير قابلة للحل إلا بعودة اللاجئين إلى وطنهم المغتصب.


لذا، تتضمن تفاصيل صفقة القرن عمليات تبادل أراضي واسعة النطاق بين مصر وإسرائيل (تنازل مصر عن حوالي 770 كيلو متر مربع غرب العريش لتوسيع الحيز الجغرافي لقطاع غزة في مقابل حصول مصر على مساحة في النقب تصلها جغرافيا بالأردن ومن خلالها بالمشرق العربي ودول الخليج)، كما تتضمن مشروعات اقتصادية عملاقة، مثل مشروع "نيوم" الذي يستهدف، ضمن أشياء أخرى كثيرة، جذب أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين للعمل والتوطن ليس فقط في المنطقة التي ستتنازل عنها مصر، وإنما أيضا في مثلث تنمية يمتد باتساع خليج العقبة كله وتشارك فيه كل من السعودية ومصر والأردن بالإضافة إلى إسرائيل. والأرجح أن إسرائيل هي التي ستتولى بنفسها إدارة هذا المشروع من الناحية الفعلية رغم أن التمويل سيكون سعوديا بالكامل.  وربما يكون من المفيد هنا أن نتذكر أن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ونقلهما إلى السيادة السعودية شكل جزء لا يتجزأ من عملية تسوية الأرض وتمهيدها لإنجاز هذه الصفقة التي لم تكتمل ملامحها النهائية بعد.


مع ذلك علينا أن نفرق بين ما يُحاك ويُخطط له من جانب الأعداء وما هو قابل للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع والذي سيتوقف في نهاية المطاف على مدى قبول أو رفض الجانب العربي له. وفي تقديري أن صفقة القرن لن تمر ولن تكتمل لسبب رئيس وهو أن الشعب الفلسطيني أو أي ممن يدعون أنهم يتحدثون باسمه، لن يستطيع قبولها، وأظن أن الشعوب العربية رغم ضعفها الراهن، وفي مقدمتها الشعب المصري لن تقبلها أيضا.


أين المجتمع الإقليمي والدولي من التطورات التي تشهدها مصر؟ وإلى أي مدى سيظل متمسكا بالسيسي؟


لا يوجد شيء اسمه مجتمع إقليمي أو مجتمع دولي بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما توجد دول تقع في نطاق إقليم ما ومن تفاعلاتها قد يتشكل نظام إقليمي متماسك أو غير متماسك، كما توجد قوى دولية رئيسية تتنافس على قيادة النظام العالمي. وكلا النظامين الإقليمي والعالمي في حالة سيولة كاملة الآن، وهما مرشحان لتغييرات عميقة، وأظن أن الآثار الفعلية لبعض تلك التغييرات سيتجسد بصورة أكبر في المستقبل القريب، خصوصا وأن هناك محاولات مستميتة لإعادة رسم ملامحهما على أسس جديدة ومختلفة تماما عما كانت من قبل.


فقد صمد النظام السوري ولم يسقط، كما كانت بعض القوى الإقليمية والعالمية تأمل، وتركيا تتغير بشدة وتعيد نسج شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية من جديد، وإسرائيل تبدو في أوج قوتها وتحاول تمرير صفقة القرن بمساعدة الولايات المتحدة التي يتراجع دورها ووزنها كثيرا في النظام الدولي، وروسيا تحاول الولوج إلى المنطقة بقوة واستعادة مكانتها القديمة التي كانت للاتحاد السوفيتي في الخمسينات والستينات، وكذلك الصين ولكن بأدوات وآليات مختلفة, وربما تكون الصفقة التي أبرمتها مع الكويت مؤخرا حول جزيرة بوبيان هي الشاهد الحي على ما تستطيع الصين أن تقوم به لتغيير المنطقة والعالم. وتلك كلها تفاعلات لم تكتمل ولم تصل إلى محطاتها الأخيرة بعد.


غير أنني أعتقد أن إيران ستكون العامل الإقليمي الأكثر تأثيرا على تفاعلات المنطقة؛ فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض عقوبات شاملة تمكنها بالفعل من حرمان إيران من بيع نفطها فسيكون ذلك هو الفتيل الذي قد يشعل حربا يمكن أن تتمدد لتشمل المنطقة بأسرها. لذا أعتقد أن شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل سيكون نقطة تقاطع مهمة في تاريخ المنطقة. فانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي ستكون قد انتهت فعلا، وبعدها ستصبح إدارة ترامب في موقع يسمح لها بحرية حركة أكبر على الصعيد الخارجي، هذا طبعا إن تمكن ترامب من النجاة بنفسه من الحصار الداخلي المضروب حوله، ومن ثم سيكون بمقدوره تشديد الضغط أكثر على إيران إلى الدرجة التي قد تدفع نحو انفجار شامل في المنطقة.


وفي رأيي أن هذه الأوضاع الإقليمية والدولية المعقدة لا تساعد على إحداث تغيير للنظام في مصر، إلا في حالة واحدة وهي توحد كل فصائل المعارضة إلى درجة تمكنها من تحدي النظام وتشكيل بديل له يمكن الاعتماد عليه داخليا وخارجيا، وهذا تطور لا يبدو واردا في المستقبل المنظور، وأظن أنه مع بداية عام 2019 ستكون الصورة أوضح وستكون ملامح النظامين العالمي والإقليمي قد بدأت تتضح أكثر.


هناك من يقول إن السيسي لم يُنفذ كل الأهداف المطلوبة منه حتى الآن، خاصة أنه لم يتم تمرير "صفقة القرن"، وبالتالي فالمجتمع الدولي والإقليمي لا يزال بحاجة له حتى يكتمل المخطط الذي يهدفون إليه.. ما تعقيبكم؟


هذا تحليل ينطوي في تقديري على قدر لا باس به من السذاجة ويبدو بعيدا عن واقع ما يجري فعلا على الأرض. فتمرير صفقة القرن لن يعتمد على وجود أو عدم وجود السيسي الذي قد يصبح جزء من هذه الصفقة بالفعل ودوره فيها مطلوب، لكنه لن يكون بأي حال من الأحوال دورا قياديا يتوقف عليه نجاح أو فشل الصفقة. فالأردن مثلا يملك أوراقا أكثر وأهم من مصر فيما يتعلق بدوره في إمكانية تمرير الصفقة، لكنه لن يستطيع القيام بالدور المطلوب منه، لأن تمرير هذه الصفقة يهدد وجود النظام الأردني نفسه على المدى الطويل. غير أن الورقة الأهم كانت وما تزال في أيدي الفلسطينيين، ولا يوجد في صفقة القرن ما يمكن أن يغري أي قائد أو زعيم أو فصيل فلسطيني بقبول هذه الصفقة أو حتى التعاطي معها بجدية، أخذا وردا. لذلك أعتقد أنه لن يكون بمقدور أي طرف إقليمي أو دولي فرض صفقة القرن على الفلسطينيين.


ما هي السيناريوهات المتوقع حدوثها خلال الفترة القادمة؟ وإلى أي سيناريو تميل؟


إذا نجحت إيران في الصمود في وجه العقوبات والضغوط الأمريكية المتصاعدة، وإذا لم تندلع حرب إقليمية تنتهي بإسقاط النظام الإيراني، وأظن أن إيران ستصمد في هذه الضغوط وقد تتمكن من تفادي وقوع الحرب، فستسقط صفقة القرن، وفي هذه الحالة أتوقع أن تبدأ معظم القوى الدولية والإقليمية في إعادة حساباتها ومراجعة سياساتها من جديد.


أما إذا أدت العقوبات الأمريكية على إيران إلى إشعال فتيل حرب إقليمية في المنطقة فلن تصبح منطقة الشرق الأوسط بعد اندلاع هذه الحرب مثلما كانت عليه قبلها. فبعد هذه الحرب المحتملة - إن وقعت- سيتغير كل شيء.


وفي ظني أن علينا أن ننتظر حتى نهاية العام الحالي قبل أن يكون في وسعنا أن نحدد ما إذا كانت المنطقة قد بدأت تلمح ضوءا في نهاية النفق أم أنها على العكس قد تستيقظ فجأة على دقات طبول حرب مدمرة جديدة.

 

اقرأ أيضا: 

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك