التعليم المأزوم والإصلاح المشؤوم

مثلت المدرسة في تونس مصعدا اجتماعيا بالغ الأهمية عقب الاستقلال.. كانت الدولة المستقلة حديثا في حاجة ماسة للكوادر والأطر التي وفرتها المدرسة، لذلك اهتمت الدولة، وكذلك العائلات التونسية، كثيرا بتعليم أبنائها، وبذلت من أجل ذلك الغالي والنفيس..

لكن المدرسة التونسية بعد 62 عاما من الاستقلال؛ باتت مدرسة مأزومة، ، وباتت تخرج عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل كل عام. ومع كل "إصلاح" تعليمي وتربوي جديد، تزداد المدرسة تدهورا وتأزما.. لكن القائمين على "الإصلاح" لا يهتمون بذلك.. الأيديولوجيا غاية مناهم ومنتهى ما يأملون.

سنوات الحراك الاجتماعي

سمح التعليم المجاني الذي انتشر في مدن البلاد وأريافها في عشريتي الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، وإن كان بشكل أقل، بحدوث تغيرات اجتماعية وسياسية بينة في بنية المجتمع التونسي. لقد أدخلت المدرسة، مع التعليم الإلزامي المجاني، أبناء المهمشين من أهل الريف ومدن الداخل في إدارة الدولة الجديدة وفي مختلف مؤسساتها. وخلق كل ذلك أملا كبيرا في إعادة توزيع أقرب من العدل للثروة والسلطة بين مختلف أقاليم البلاد وبين ريفها ومدنها.

لقد صار ممكنا بفضل التعليم الجيد أن يوجد وزراء وكتاب دولة وولاة (محافظون) ومعتمدون ومديرون ومديرون عامون لشركات كبرى، وموظفون سامون في الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية من أهل الأرياف والقرى، إلى جوار أبناء العائلات الحاكمة التقليدية المنحدرة أصلا من "بلدية" العاصمة تونس أو من جهة الساحل.. لقد نال الريف ومدن الداخل نصيبا من الثروة والسلطة.. وحدث حراك اجتماعي واضح بفضل التعليم، ساهم في زحزحة نخبة الحكم التقليدية، وإخراجها، ولو نسبيا، من الاحتكار المألوف لنخب العاصمة والساحل.

بداية الأزمة.. ثم استفحالها

بدأت أزمة التعليم في تونس مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.. بدأ سوق العمل غير قادر على استيعاب خريجي الجامعة التونسية، والجامعة غير متجاوبة مع حاجات سوق الشغل.. دروس نظرية مأخوذة عن المدرسة والجامعة الفرنسيتين، تجاوزها الزمن، ولا يحتاجها السوق.. آلاف الطلاب يتخرجون سنويا ويحال عدد كبير منهم على البطالة.. وبدأ يروج بين أوساط الناس، مع تأزم وضع الحكم، وتدهور حال الاقتصاد، وبلوغ رئيس الدولة الحبيب بورقيبة أرذل العمر، وهو جاثم على كرسي السلطة.. بدأت تروج بين عامة الناس شعارات تقول "تقرا وإلا ما تقراش.. المستقبل ما ثماش"، تدرس أو لا تدرس.. لا مستقبل ينتظرك.

لكن المدرسة والجامعة حافظت رغم ذلك على بعض بقايا جيدة من عصرها الذهبي.. لقد ظلت على العموم مصعدا اجتماعيا، وإن بات هذا المصعد يعرف تعطلات وأزمات تزيد مع الأيام ولا تنقص.. رغم تلك الأزمات والتعطلات لم تزهد العائلة التونسية في تدريس أبنائها، وإعطاء الدراسة أولوية قصوى أمام باقي الأولويات.. لكن مستوى التعليم بدأ يتراجع بسرعة، وشهد أزمته الشديدة في تسعينيات القرن الماضي، بعد تولي زين العابدين بن علي الحكم خلفا لبورقيبة، ثم بدأ يميل للانهيار مع مطلع الألفية الثالثة.


بدأ ابن علي فترة حكمه بإعطاء التعليم إقطاعا لليسار الفرنكفوني بهاجس سياسي أيديولوجي محض.. لقد دخل الرئيس المخلوع ساعتها في صراع مفتوح مع التيار الإسلامي، ممثلا في حركة النهضة، وكان هاجسه تجفيف منابع التدين في التعليم ووسائل الثقافة والإعلام، حتى يقضي قضاء مبرما على التيار الإسلامي، وحتى لا تنبت التربة التونسية إسلاميين مرة أخرى..

من هنا أعطى وزارة التربية للراحل محمد الشرفي، وهو يساري فرنكفوني معروف، وكان دافعه وراء "إصلاح التعليم"، ليس حل مشكلاته الكثيرة ومنها تراجع المستوى الأكاديمي، وتخريج المعاهد والجامعات للعاطلين عن العمل، والفصام النكد بين التعليم وسوق العمل، بل كان دافعه الأساسي "القضاء على الخوانجية" وإفساد البيئة التي تنتج الإسلاميين..

كان الوزير الشرفي يقول إن من يدرس مونتسكيو وجون جاك روسو لن يكون "خوانجيا" أبدا.. ولكن من مكر التاريخ أنه بدلا من أن تخرج الجامعات "الخوانجية" المتفتحين والمطلعين على العلوم الإنسانية والفلسفة الغربية وآخر حصاد المطابع، انتهت تلك الإصلاحات إلى تخريج متعلمين بلا سلاح يواجهون به المستقبل، مثلما تخرج الدواعش الناقمين على كل شيء.. فتونس رغم صغر حجمها خرجت النسب الأكبر من الدواعش خلال السنين الأخيرة.. و"الفضل" يرجع في ذلك الذي فصل الناشئة عن سائر القيم الدينية المعتدلة، فبات تلقي الثقافة الدينية الممنوعة، والممنوع مرغوب، يتم من خلال شيوخ الإنترنت.. ومع الجهل التام بالدين، صار الشاب التونسي لقمة سائغة سهلة في أفواه الجماعات الإرهابية الناشطة في الفضاء الافتراضي.

تم القضاء على ما بقي من نفس ديني في التعليم.. ودار كلام كثير في وسائل الإعلام التونسية عن تحديث التعليم وتطويره وإصلاحه.. لكن بقدر ما كان الخطاب حالما ورديا رومنسيا بقدر ما صار الواقع أكثر بؤسا وتعاسة.. ثم جاءت الألفية الثالثة وغرق التعليم في بؤسه حتى أذقانه.. لقد انهار مستوى التعليم.. لم يعد الطالب قادرا على التعبير بالعربية، التي جرى تهميشها، ولا بالفرنسية لغة التعليم الرئيسية، ولا بالإنجليزية، التي أدخلها الرئيس المخلوع ضمن مساوماته مع الطرف الفرنسي.. وكشفت نتائج بكالوريا 2017 عن فواجع مرعبة.. خمسة آلاف صفر في مادة الفرنسية سبعة آلاف صفر في مادة الإنجليزية، وضعف مخيف في التعبير بالعربية.

تضخمت الجامعة.. كثر عدد الطلاب.. انتقل عدد الطلبة من 40 ألفا في أواخر الثمانينيات إلى نحو 350 ألفا بعد الثورة.. لكن المستوى التعليمي تدهور، والبنية التحتية التعليمية كذلك.. والخريجون يمضي أغلبهم من الجامعة إلى سوق العاطلين عن العمل.. والعاطلون هم الذين كانوا وقود الثورة، التي دفعت المخلوع آخر المطاف للهروب بجلده.. لقد حصد ابن علي الثمار المرة لما زرع.

فساد الفضاء المحيط بالمدرسة

لم يفسد التعليم وحده.. فسدت الأخلاق أيضا، وانتشرت الجريمة قرب الفضاء التعليمي وتوغلت فيه برفق حتى مسته مسا شديدا.. شاعت المخدرات بأنواعها في المدرسة.. وانتصبت مقاه أمام كل معهد ثانوي، تكون منطلقا لترويج المخدرات بين تلاميذ المدارس..

تبدأ المسألة بالتجربة بغاية التعرف والاكتشاف، لدى شباب يبحث عن الجديد وعن النشوة وإثبات الرجولة، ثم تنتهي إدمانا.. ويبدو أن ذلك كان جزء من سياسة الرئيس المخلوع في إبعاد الشباب عن السياسة.. لكن ذلك لم ينفعه.. لقد كانت نهايته على أيدي أولئك الشباب.

مدرسة الاغتراب

حتى في سني مجدها وما بعده كان ثمة لوثة ترافق المدرسة في تونس منذ إنشائها.. فعلى الرغم من تزويد الدولة والإدارة ومؤسسات الاقتصاد بالمهندسين والخبراء والموظفين وسائر العمالة، إلا أن المدرسة كانت تخرج متعلمين يعجز الكثير منهم على التواصل الجيد مع مجتمعهم.. فأكثرهم متكبرون عنه.. لا يرون فيه إلا التخلف والانحطاط.. وبدلا من أن يمدوا أيديهم لإخراج ذلك المجتمع، الذي أنفق عليهم أغلى ما عنده، من التخلف المدعى، فإن كثيرا من الخريجين تحولوا إلى مجرد كائنات تعيش لذاتها في قوقعة أنانية ضيقة مغلقة، لا تكاد تبالي بالمجتمع الذي علمها وأنفق عليها حتى تصل ما وصلت إليه..

في هذا السياق أيضا يمكن فهم هجرة العقول المميزة نحو الغرب. فعلى الرغم من الأسباب الكثيرة لتلك الهجرة، إلا أن جرثومة الاغتراب التي تزرعها المدرسة مبكرا في المتعلم تجعل منه مستعدا للهرب بجلده في أول سانحة، وهو ما يجعله يرى في الهجرة فرصة لا تعوض للعيش في المجتمع الغربي المتقدم، هربا من مجتمع التخلف.

أما من لم يسعفهم تكوينهم العلمي بالحصول على الوظائف، ومن لم يستوعبهم سوق الشغل، وظلوا لسنين طويلة يعانون البطالة، فإن أكثرهم تحول إلى عالة على أهاليهم، يقضون معظم الوقت في المقاهي وعلى قارعة الطريق.. فلا هم قادرون على أعمال الزراعة مثلا، من جني زيتون وفلاحة الأرض وصيد بحري، ولا راغبون فيها، باعتبارهم متعلمين وأصحاب شهادات عليا لا تناسبهم تلك الوظائف، ولا هم قادرون على إنشاء مشاريع خاصة بهم تقيهم ذل الحاجة، ولا هم يصلحون للوظيفة، وأكثرهم مشغول بالبحث عن طريق للهجرة السرية نحو جنة أوروبا الموهومة في قوارب موت، داخلها مفقود، وراكبها دود على عود، والناجي منها كأنه للتو مولود.

ربما يرى البعض في هذا المقال قسوة بالغة على المدرسة التونسية من أحد خريجيها.. لكنها قسوة المحب في وجه نخبة تمعن أكثر، بدوافع أيديولوجية لا غير، في مسخ المدرسة وتغريبها وفصلها عن محيطها الطبيعي.. ورغم الحصاد المر، الذي استفحل أساسا في مدرستنا في العقدين الأخيرين، لكنهم يمضون لا يبالون إلا بالشعارات الايديولوجية الحمقاء.. يحتكرون إصلاح التعليم فيفسدونه أكثر.. ومن العار أن الجامعات التونسية لا توجد أي منها في ترتيب الجامعات الخمسة آلاف الأولى.. فبم يفخر بعد ذلك القائمون على تعليمنا؟

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك