انتصار الثورات وهزيمة الإنسان

فى عام 1922م، أنشأ المفكر الروسي نيقولا برديائيف 1874-1948م "الأكاديمية الحرة للعلم الأخلاقي والثقافة الروحية"، ضمن نشاطه الواسع وقتئذ لحماية أمته بنشر خطة تعليمية واسعة النطاق عن الدين والعلم، بعد أن أدرك خطورة الأيديولوجية الجديدة على "الإنسان" في وطنه. كان هذا بعد الثورة الروسية الكبرى والأخيرة (تشرين الأول/ أكتوبر1917) بخمس سنوات، وكان الهدف الرئيسي من كل ذلك التأكيد على أولوية القيم الروحية. وأخذ الرجل يشرح لرواد الأكاديمية الذين كان أغلبهم من العمال ورجال الجيش الأحمر؛ أفكار الفيلسوف الألماني شبنجلر عن اندحار الغرب والعوامل التي أدت إلى انهياره، وفلسفة الحضارات، وأفكار الروائي الكبير ديستويفسكى صاحب "الجريمة والعقاب" عن خطورة غياب الاعتراف بكرامة وقيمة الشخصية الإنسانية التي أنكرتها الثورة البلشفية تماما، فما كان من جريدة البرافدا الشهيرة إلا أن نشرت مقالا عن "الدعاية الدينية" التي يقوم بها برديائيف، وأن مثل هذه الأعمال يجب أن توقف فورا، فيقوم بالتحقيق معه شخصيا رئيس البوليس السياسي الشهير، دزرزنسكي؛ الذي كانت روسيا كلها ترتعد من مجرد سماع اسمه. وبدلا من أن يتخذ الرجل موقف الدفاع عن نفسه خوفا وهلعا، إذ به ينتفض قائلا له: أرجو أن تضع نصب عينيك أن كرامتي كمفكر وكاتب تقتضى مني أن أكون حرا في طرح أفكاري، وأخذ يتحدث لمدة ساعة عن معارضته الدينية والأخلاقية والفلسفية لفكرة الشيوعية من أولها لآخرها، ماديا وجدليا، والصراع الفوقي والصراع التحتي وكل هذا الهراء، فلم يرد الجنرال الرهيب بكلمة وأنهى الإجراءات قائلا له: سأطلق سراحك، ولكن لن تستطيع مغادرة موسكو دون إذني، وشرح الرجل لأصدقائه بعدها أن سبب الإفراج عنه وقتها كان بسبب أن النشاط العدائي للسلطة الجديدة كان منصبّا في ذلك الوقت على الخصوم السياسيين والعسكريين؛ أكثر منه على الخصوم المذهبيين الذين لم يلبثوا إلا قليلا حتى كانوا هم الثور الأحمر بعد الثور الأبيض. سيحدثنا برديائيف عن "تهافت المثقفين" على احتلال المناصب الحكومية وتحول "المناضلين" في سبيل الحرية بين يوم وليلة إلى انتهازيين مستغلين، بدلا من أن يعيدوا للحياة قيمتها وللإنسان مجده الضائع!!

اشتعال الثورة البلشيفية اعتمد بدرجة كبيرة على الظروف التي أنتجتها الحرب العالمية الأولى. فالثورة الروسية لم تخلع الملكية المستبدة خلعا حقيقيا في حقيقة الأمر، فتلك الملكية أصلا كانت قد قد تحطمت وانهارت من تلقاء نفسها (بعوامل وسنن الانهيار التاريخي)، ولم يكن هناك أي تمهيد اجتماعي وفكري لطريق الثورة، كما ينبغي أن يكون بقدر ما كان هناك استغلال للحظة تاريخية حاسمة أفلت فيها زمام كل شيء، واستغلها البلاشفة بقيادة لينين وتروتسكي استغلالا عنيفا ودمويا. وكما تقول الروايات، قاد لينين عهدا كاملا من الإرهاب، وأرسل كل من عاداه إلى معسكرات العمل في سيبيريا. تحكي لنا المؤرخة الروسية كاترين ميريدال، في كتابها الهام "لينين على متن القطار"، عن ذاك القطار الذى أقله من منفاه في سويسرا الى السلطة في روسيا عام 1917 بمساعدة الألمان. وتقول: أثبت لينين أنّه طاغية مستبد قاتل عند وصوله إلى السلطة.. وتقول: كل الذين سافروا معه على متن القطار تعرضوا للتعذيب وإطلاق النار والسجن والمنفى، أو اختفوا ببساطة في ليلة منهكة في معسكرات عمل ستالين، وكانت هذه الوجهة النهائية لقطار لينين! وجاء ستالين بعده واستمر في القتل والنفي طوال فترة حكمه بالغة البشاعة.

يقولون إن ذلك كله كان مصاحبا لكل الثورات، العنف مع المعارضين/ واختطاف السلطة، ليكن ذلك مع كثير من التحفظ. لكن العيب المأساوي في الثورة الروسية، رغم ما كانت تشكله في وعي كثيرين من رومانسية المساواة والعدالة الاجتماعية، هو فشلها التام في إنهاض "الإنسان الجديد" الذي هو بمثابة البعث الروحي الجديد الذي يحقق الانتصار على كل أصنام الماضي الزائفة، كما كان يتوقع وينتظر الكثيرون من فكرة (الشيوعية) استنادا إلى أفكار ماركس وإنجلز. وكان أن انصب اهتمامها كله على صنع "المجتمع الجديد"، وأهملت "إنسان المجتمع" إهمالا مروعا ودمرته تدميرا فادحا، وسلخت من كيانه أهم مكونات وجوده، وهي "روحه"، كما قال المفكر الروسى نيقولا برديائيف لرئيس البوليس السياسي، كما ذكرنا أولا. وسارت الثورة/ والدولة في طريق الفشل والانهيار بخطى حثيثة حتى نهايته، ولم يكفل لها ذلك الاستمرار الذي استمرته إلا الظروف الدولية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية (الحرب الباردة وسباق التسلح وانقلابات العالم الثالث وطبعا الأجهزة الأمنية المرعبة)، إلى أن تضاءل تأثير كل ذلك شيئا فشيئا، حتى باغتتها اللحظة المناسبة تماما على يد جورباتشوف ويلتسين؛ فانهارت.

دعك من كل الحكايات البليدة عن عمالة جورباتشوف للغرب طوال عضويته في الحزب حتى انضمامه للجنة المركزية، وأنه بدعوته لـ"البروسترويكا" و"الجلاسنوست" كشف ظهر الاتحاد السوفييتي على حين غرة. ودعك أيضا من أحاديث اليأس الخادع من أن نسبة المسلمين في جمهوريات الاتحاد السوفييتي كانت ستشكل أغلبية (ست جمهوريات إسلامية من أصل 15 كانت تشكل الاتحاد)، والغرب لا يسمح بدولة تملك كل هذه الترسانة النووية يشكل فيها المسلمين أغلبية، كما قال نيكسون في كتابه "انتهزوا الفرصة". هو لم يقل ذلك ولم يساعده الإعلام الغربي في نشر ذلك - رغم سخافة الفكرة - إلا ليحكموا أغلال اليأس حول أعناقنا، ويملأوا وعينا بأنهم مثل القدر المحتوم الذي لا مجال لدفعه وتغييره رغم أنه حتى "القدر المحتوم" في ثقافتنا يمكن دفعه وتغييره بفكرة "الدعاء" الحالة المركزية في وعينا الإيماني بحقيقة الوجود والمصير، وطبعا العمل الدؤووب قبل وبعد ومع الدعاء. ولتستمر الرحلة المشؤومة بتنويعات تاريخية متنوعة عبر حلقات القهر المتصل، وليصبح "الإنسان" بناء هشا في مواجهة رياح عاتية طالما تم الحرب على أهم ما فيه (روحه).

لن نغير شيئا من الأمس، لكننا نتمنى غدا صالحا. سنرى انهيار وتحطم الملكية في مصر من تلقاء نفسها ("جبل القاذورات"، كما وصف تقرير خبراء الخارجية الأمريكية 1949م عن مصر؛ النظام الحاكم)، وستأتي اللحظة التي يفلت فيها زمام كل شيء (كما في أكتوبر لينين)، وسنسمع من يقول إن "تطلعات الشعب المصرى محدودة، وأن المصريين قد عاشوا على الكفاف آلاف السنين ويمكنهم العيش على ذات النمط لمدة ألف عام أخرى. وبعد ثلاثة شهور يقوم الجيش بالانقلاب الذي تحول إلى ثورة؛ وتقدم له أمريكا مساعدات أمنية ضخمة ويقوم مايلز كوبلاند وكيرميت روزفلت بتنظيم الأجهزة الأمنية على أحدث وأقوى تكوين، ومعهما زكريا محيي الدين وصلاح نصر، لتبدأ رحلة "تدمير الإنسان" في بلادنا من أجل إقامة "المجتمع الجديد"، وليفتتح الأفق الرهيب للديكتاتوريات العربية كلها.. سيستنسخ أغلب المثقفين المصريين دور المثقفين الروس الذي حكاه لنا برديائيف، فيتهافتون على السلطة واحتلال المناصب الحكومية ويتحولون إلى انتهازيين، أيضا لصوص، ويكون على الشعب الطيب بعدها أن يلتهمه نوع من "الدمار المجهول"، فيتخذ المنحنى مسار التردي والانحدار بسرعة شديدة ومروعة للغاية. ولتبقى المهمة العظمى والوظيفة الكبرى لأهل المهمات، كما يقول أهل التربية والتصوف السني، إحياء الإنسان وإنهاضه وبعثه ليكون مخلوق الله المختار على هذه الأرض عبادة وعمران، وهو كامل الوعي بكرامته وحياته ومصيره.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك