هل كانت تركيا المكان الأمثل للتخلص من خاشقجي؟

ظنَّ النظام السعودي الذي لبس ثوب الإصلاح في أيامه الأخيرة؛ وأخذ يجري تغييرات على الجوانب الترفيهية في البلاد ليظهر بمظهر المصلح المنفتح الذي لم يمر على المملكة شبهاً له، أن جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي ستمر بسلام كما مرَّ غيرها من الجرائم، ودون أن يوَليها أحد اهتماماً كبيراً، وحينها ستتحقق لهذا النظام الكثير من المكاسب؛ ليس أولها بثُّ الرعب في قلوب معارضيه حتى يحسب الواحد منهم ألف حساب قبل أن يفتح فمه لينطق بكلمة ينال بها النظام وسياساته وقمعه وغطرسته، "فأيدينا ستصل إليك وتنال منك حتى لو كنت تتعلق بأستار الكعبة أو تتحصَّن في قنصلية أو سفارة محمية بموجب القوانين، أو لو حتى طرت إلى المريخ.. نحن لك بالمرصاد، فأغلق فمك خير لك"، ولن يكون آخرها أيضاً إسكات خاشقجي وإلى الأبد، خاصَّة بعد أن صعَّد من وتيرة انتقاداته لسياسات ابن سلمان؛ وصلت لحد وصفه إياه بأنه زعيم قبَلي من الطراز القديم وليس إصلاحياً، وأن ابن سلمان يرى في الإصلاح تكبيلاً لحكمه الاستبدادي، وأن الديمقراطية والحريات غابت في المملكة العربية السعودية بعد أن أصبح ابن سلمان هو الآمر الناهي فيها... وغيرها.. وبالتالي، فالنظام يضرب بجريمة مخرجة على طريقة أفلام هوليوود الأمريكية؛ عصفورين بحجر واحد، كما يقولون.

ويطلُّ علينا ترامب بعد كل تطور بسيط على قضية خاشقجي، ليؤكد إما تصديقه للرواية السعودية أو شعوره بالسوء وعدم الرضى إن ثبُت فعلاً قتلها للصحفي. وفي إحدى المرات صعَّد ترامب من وتيرة كلامه مهدداً بالغضب والعقوبات إن ثَبُت ضلوع السعودية في جريمة القتل، ليتراجع بعدها بساعات ويعود للهجته السابقة.. ولننتبه هنا إلى أن المصالح الاقتصادية وحجم المبالغ المدفوعة يلعب دوراً كبيراً في ردَّة فعل رئيس الدولة الأقوى في العالم.. وهو ما لم تفعله قيادات الأتراك.

وما وقف عائقاً أمام النظام الحاكم في المملكة العربية السعودية من أن يحقق أهدافه ويجني ثمارها حلوة كما يشتهي؛ أنه ارتكب جريمته على الأراضي التركية وليس في أي مكان آخر في العالم، وقد افترض مرتكبو الجريمة أن القنصلية السعودية في إسطنبول ستكون المكان الأمثل لإخفاء تفاصيل تلك الجريمة التي ربما لن يلحظها أحد، وسيعود طاقم الإعدام بطائرتيه إلى قواعده سالماً، وسينتهي الأمر إلى هنا.. ولم يتذكر من أمر وخطط ونفذ هذه الجريمة أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن.

وأقول، وبملء فمي، إن من يقف وراء تلك الجريمة يجهل الأتراك ولا يعرف قيادتهم جيداً.. فهم عنيدون جداً، لا يرعبهم تهديد ولا يخضعهم ترغيب، لا يتنازلون عن ما يرونه صائباً ويقتنعون به حتى لو واجهتهم صعاب جمة ووقفت دونهم التحديات، فهم يعملون بكل جهدهم ليل نهار حتى يذللوها ويصلوا إلى ما يريدون.. وقضية قتل الصحفي جمال خاشقجي خير مثال على ذلك.

لم يستطع النظام السعودي شراء ذمة القيادة التركية مقابل ملايين بل مليارات من الدولارات، برغم أن تركيا بالكاد تعافت من مشكلة تراجع قيمة الليرة التركية بالإضافة لمشاكل أخرى داخلية تربكها.. وهو ما يوحي لنا بأن تركيا بحاجة للدعم المادي، ولكن لعناد الأتراك المعروف، لم يقبلوا بصفقات تبرئ ذمة النظام السعودي وتُنهي هذه الأزمة، وبالتالي تقبض تركيا بموجبها ما يدعمها ويعيد لها الراحة والهدوء.

لم تسلك تركيا في قضية خاشقجي سلوك بلغاريا في قضية عمر النايف، فكل منهما قُتل داخل سفارة بلادة، ولكن تركيا لم تُسلم بالرواية الرسمية للدولة التي ارتُكبت الجريمة في سفارتها، وقامت بحملة تحقيق واسعة ودقيقة، ووظفت طواقم تحقيق وبحث على مستوى عالي من العلم والخبرة والدراية، توصلت بموجب ذلك إلى كثير من المعلومات الدقيقة والحساسة وصولاً إلى الحقيقة الساطعة التي لا مواربة فيها، فكانت تركيا بذلك مثالاً للعدالة والشفافية.. رفضت تركيا الضحك على عقول الناس، ورفضت الخداع حتى وإن كان ثمن ما رفضته غالياً جداً؛ قد ينقذها من أزمات اقتصادية هي في غنى عنها.. لهذا ترى الحكومات العربية تكاد تُجمع على مقت تركيا، وبُغض التعامل معها؛ لأنها تسير في طريق مغاير لما تسير فيه الحكومات العربية.

وأقولها في نهاية مقالي: لو حدثت هذه الجريمة في مكان آخر في العالم لما أخذت القضية أبعاداً كتلك التي أخذتها من حدوثها في تركيا، ولتم التستر عليها والانتهاء منها في غضون أيام وربما ساعات، ولأسدل الستار على جريمة قتل غامضة قُيِّدت ضد مجهول.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك