نافعة يتحدث لـ"عربي21"عن فشل المبادرات السياسية وثورة يناير

المبادرات التي طُرحت سابقا لم يكن لأصحابها صلة مباشرة بأطراف الأزمة أو تأثير مؤكد عليهم

 

المبادرة الوحيدة التي طُرحت من جانب شخصية كان لها صفة رسمية هي تلك التي طرحها زياد بهاء الدين

النخب المصرية مقتنعة بأن النظام الحاكم ليس مهتما بأي نوع من المصالحة لا مع الإخوان ولا مع غيرهم

هذه هي الشروط الواجبة لنجاح أي مبادرة.. والأوضاع الراهنة لا تشجع على طرح أي مبادرات

أدعو البرادعي لاستخلاص الدروس الصحيحة من تجربة "الجمعية الوطنية للتغيير" وألا يكرر نفس الأخطاء السابقة

البرادعي مؤهل للعب أدوار عامة مفيدة على كافة الصعد لكنه لا يصلح لدور المناضل الثوري

 

موقف السيسي المعادي للثورة لم يختلف كثيرا عن موقف أعضاء المجلس العسكري لكن أصابه تغير حاد بعد 30 يونيو

قيادة المؤسسة العسكرية لم تكن راغبة في تغيير نظام مبارك لأنها كانت ولا زالت جزءا منه

الصراع المفتوح بين الجيش والإخوان بدأ حين نقضت الجماعة تعهدها بعدم خوض الانتخابات الرئاسية

السيسي اعتبر "30 يونيو" ثورة على ثورة يناير نفسها وكانت لحظة مفصلية في حياته

"انتفاضة يونيو" فشلت لأنها لم تنجح في تصحيح مسار ثورة يناير ومكّنت لنظام أشدا فسادا واستبدادا

الحنين للثورة ما يزال حيا وينتظر اللحظة المناسبة ليعبر عن نفسه بعد استعادة قوى التغيير حيويتها وتنظيم صفوفها

مصر تعيش منذ يناير 2011 موجات متعاقبة من مد وجذر وهزائم وانتصارات

أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حسن نافعة، أن موقف رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي من ثورة يناير "لا يختلف كثيرا عن موقف بقية أعضاء المجلس العسكري، والذي رأى فيها فرصة للتخلص من مشروع التوريث، لكن دون الوقوف في خندق واحد مع ثورة كانت تستهدف تغيير نظام مبارك ككل وليس فقط إسقاط مشروع التوريث".

وقال نافعة، في الحلقة الأولى من مقابلته الخاصة مع "عربي21" إن "قيادة المؤسسة العسكرية لم تكن راغبة في تغيير نظام مبارك الذي كانت وما تزال جزء منه وتربت في كنفه، فقد تبنت استراتيجية استهدفت احتواء وتصفية الثورة وليس التمكين لها".

ورأى أن دعوة "البرادعي" لتوحيد المعارضة المصرية، لم يتضح منها ما إذا كان ينوي المشاركة في الحوار الذي يفترض أن ينتهي بتوحيد الصفوف أم أن الأمر لا يتجاوز حدود إطلاق "تغريدة" على موقع "تويتر"، داعيا إياه إلى استخلاص الدروس الصحيحة من تجربة "الجمعية الوطنية للتغيير"، وألا يكرر نفس "الأخطاء السابقة".

وذكر أن "مصر تعيش منذ يناير 2011 موجات متعاقبة من مد وجذر وهزائم وانتصارات"، لافتا إلى أن "الحنين للثورة ما يزال حيا تنبض به القلوب رغم الخوف المسيطر على الجميع وينتظر اللحظة المناسبة ليعبر عن نفسه، وهي لحظة لن تجيء إلا حين تتمكن القوى صاحبة المصلحة في إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة خالية من الفساد والاستبداد من استعادة حيويتها وتنظيم صفوفها".

ونصح نافعة النظام الحالي بأن "يتحلى بأكبر قدر من المرونة لتهيئة الأجواء لمصالحة مجتمعية شاملة، وأن يدرس جديا إمكانية إجراء مثل هذه المصالحة على مرحلتين. الأولى: مع التيارات المعنية بإقامة دولة مدنية حديثة، والثانية: مع تيارات الإسلام السياسي بالشروط التي يحددها المجتمع المدني بعد إنجاز المصالحة معه".

وفي يلي نص الحلقة الأولى من المقابلة:


منتصف شهر تموز/ يوليو الماضي طرحت عبر "عربي21" رؤية لبلّورة خارطة طريق جديدة وصياغة حلول مرحلية للخروج من الأزمة المصرية، وأعقب ذلك مبادرات طرحتها شخصيات أخرى، بينما رد السيسي على ذلك بقوله:" لا بنعمل اتصالات ولا مصالحات، ومفيش عندنا مسار غير أننا نقف أمام هذا الفكر بمنتهى القوة والقناعة"، وأعقب ذلك اعتقال السفير معصوم مرزوق صاحب إحدى المبادرات.. فكيف ترى مصير تلك المبادرات ورد فعل النظام عليها؟

من حق كل مواطن أن يطرح تشخيصه للأزمة التي تعيشها بلاده وتصوره لسبل الخروج منها أو تجاوزها، وهو ما قمت به أنا وغيري في مناسبات مختلفة. أما التقدم بمبادرات فشيء آخر مختلف تماما لأنه يفترض أن تتوافر في أصحابها شروط معينة تمكنهم من القيام بدور ما يساعد على التوصل إلى تسوية للأزمة موضوع النزاع.

وللأسف فإن المبادرات التي طُرحت لتسوية الأزمة السياسية في مصر - أو بالأحرى ما أُطلق عليها إعلاميا هذا الوصف - لم يكن لأصحابها صلة واضحة ومباشرة بأي من أطراف الأزمة أو تأثير مؤكد عليهم.

المبادرة الوحيدة التي طُرحت من جانب شخصية كان لها صفة رسمية هي تلك التي طرحها الدكتور زياد بهاء الدين حين كان نائبا لرئيس الوزراء إبان المرحلة الانتقالية التي أدارها المستشار عدلي منصور عقب تنحية الدكتور محمد مرسي.

وقد أظهرت الأحداث اللاحقة أنها كانت مبادرة فردية لم يقم صاحبها بالتشاور مسبقا بشأنها مع أيّ من صناع القرار الحقيقيين، بدليل قيامه بتقديم استقالته بعد فترة وجيزة من طرح مبادرته التي لم يتابعها أي مسؤول آخر من بعده.

أما المبادرات الأخرى فكانت اجتهادات فردية تطوعت بها شخصيات مهتمة بالعمل العام ومهمومة بقضايا الوطن، من أمثال الدكاترة: محمد سليم العوا، وكمال أبو المجد، وسعد الدين إبراهيم، وغيرهم كثيرون.

حتى "المبادرات" التي طرحتها شخصيات سياسية أو حزبية فقد بدت أقرب ما تكون إلى اجتهادات فردية منها إلى وثائق رسمية تعبر عن المواقف الفعلية أو الحقيقية للأحزاب السياسية التي تنتمي إليها هذه الشخصيات.

ولماذا توقف تماما طرح أي رؤى أو مبادرات لإنهاء الأزمة المصرية؟

هذا يعود في تقديري إلى أسباب عديدة ربما كان أهمها تزايد الاقتناع لدى النخبة السياسية والفكرية في مصر بأن النظام الحاكم ليس مهتما أو حريصا على أي نوع من المصالحة لا مع الإخوان ولا مع أي قوة سياسية أخرى معارضة.

هل يمكن أن نشهد مبادرات سياسية مجددا من داخل مصر تبحث كيفية إنهاء الأزمة ولتصحيح المسار أم أنه لا توجد فرص لذلك؟

لا أعتقد أن الأوضاع الحالية تشجع على طرح مبادرات جديدة، والعبرة ليست بكثرة المبادرات، وإنما بفاعليتها، فلا يمكن لأي مبادرة أن تحقق نجاحا في حلحلة الأزمة ودفعها في اتجاه الحل إلا إذا توافر لها شرطان. الأول: أن يكون لدى النظام علم مسبق بها أو عدم اعتراض على طرحها من حيث المبدأ، أملا في استكشاف أفق التسوية.

والشرط الثاني أن تكون جماعة الإخوان المسلمين مستعدة ومهيأة للتعامل بشكل إيجابي مع فكرة "المصالحة المجتمعية"، وعلى استعداد للقبول بمتطلباتها.

ومن الواضح أن أيا من هذين الشرطين لم يتوافر على أرض الواقع أو تسمح الظروف الراهنة بإنضاجه بعد. وإذا كان لي أن أتطوع بتقديم النصح للنظام الحالي حول هذه المسألة فهو أن يتحلى بأكبر قدر من المرونة لتهيئة الأجواء لمصالحة مجتمعية شاملة، وليس لمصالحة مع الإخوان فقط، وأن يدرس جديا إمكانية التحرك في اتجاه مثل هذه المصالحة ولو على مرحلتين. الأولى: مع التيارات المعنية بإقامة دولة مدنية حديثة، والثانية: مع تيارات الإسلام السياسي بالشروط التي يحددها المجتمع المدني بعد إنجاز المصالحة معه.

وفي تقديري أنه لا يمكن للمصالحة المجتمعية الشاملة أن تتحقق في ظل الأوضاع الراهنة إلا إذا توافرت أيضا مجموعة من الشروط أهمها: قبول المؤسسة العسكرية من حيث المبدأ بفكرة العودة إلى الثكنات والتخلي نهائيا عن التدخل المباشر في الشأن السياسي، وتوافر أرضية فكرية مشتركة تسمح بالاتفاق على القواعد التي يمكن الاستناد إليها لتحقيق تداول سلمي للسلطة بين مختلف القوى السياسية، بما فيها تيار الإسلام السياسي، وفقا لما تقرره صناديق الاقتراع.

ومن بين هذه الشروط أيضا إقدام تيارات وفصائل "الإسلام السياسي" المختلفة على مراجعات فكرية وسياسية تمكنها من اكتساب ثقة المجتمع المدني وتسمح لها بالانخراط عضويا في الحركة الوطنية المصرية دون تردد أو مخاوف.

المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، دعا مؤخرا لتوحيد المعارضة المصرية على اختلاف أطيافها.. فما هو موقفك من دعوة البرادعي؟ وكيف استقبلتها؟

أي دعوة لتوحيد صفوف المعارضة هي دعوة نبيلة بطبيعتها، ومن ثم ينبغي الترحيب بها وتشجيعها، ولأن دعوات المصالحة تكررت كثيرا من قبل دون أن تنجح في تحويل الأمنية إلى واقع، أتمنى أن يقوم كل من يتطوع بإطلاقها من جديد أن يتحدث أكثر عن الأدوات والآليات وأن يحدد لنا كيف تتحقق وحدة الصف بين فصائل المعارضة، وما هو الدور الذي يتعين عليه أن يقوم به شخصيا لتحقيق هذه الوحدة المعارضة والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها، كي تقترن أي دعوة جديدة هذه المرة بما يكفي من الجدية والزخم لتمكين البلاد من الخروج من حالة اليأس والبلادة التي تعيشها حاليا.

وقد طالعت دعوة الدكتور البرادعي لكن لم يتضح منها ما إذا كان ينوي المشاركة في الحوار الذي يفترض أن ينتهي بتوحيد الصفوف أم أن الأمر لا يتجاوز حدود إطلاق "تغريدة" على موقع "تويتر".

إذا كان الأمر سيقتصر على مجرد إطلاق الدعوة فقد سبقه إليها كثيرون دون أن يتحقق شيء على أرض الواقع. أما إذا كان سيتبع التغريدة بتحرك فعلي وملموس على الأرض فهذا أفضل كثيرا، وفي هذه الحالة أنصح قبل أن يبدأ تحركه في هذا الاتجاه أن يستخلص الدروس الصحيحة من تجربة "الجمعية الوطنية للتغيير"، وألا يكرر نفس الأخطاء السابقة، وأتمنى له وللجميع النجاح في هذا المسعى النبيل.

بحكم معرفتك الوطيدة بالبرادعي، فقد كنت على تواصل معه قبل عودته لمصر عام 2010، وعملتما معا في الجمعية الوطنية للتغيير.. كيف ترى طبيعة شخصيته؟ وهل هو شخصية قادرة على تحمل المسؤولية أو يمكنه دفع ثمن المسؤولية التي يتولاها؟ وما هو الدور المأمول منه؟

هذا موضوع ذو شجون. دعني أؤكد لك أولا أن الرجل تعرض لحملة تشويه مغرضة وصلت إلى حد التشكيك في نزاهته الشخصية وفي وطنيته، وهو ما أرفضه وأدينه بشدة.

ففي تقديري أن الدكتور البرادعي شخصية تتمتع بالاستقامة الخلقية والكفاءة المهنية ومؤهل للعب أدوار عامة مفيدة على كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، لكن ليس من بينها دور المناضل الثوري الذي ارتبط بأذهان الكثيرين.

مشكلة الدكتور البرادعي- كما أفهمها- أنه لم يكن على دراية كافية بخبايا ودهاليز السياسية الداخلية المصرية، ربما بسبب طول الفترة التي قضاها خارج مصر، ولم يكن قادرا على استيعاب طبيعة الدور التاريخي الذي ينتظره، والذي كان بمقدوره أن يلعبه لتغيير الأوضاع السياسية في مصر، ربما بسبب عدم استعداده لدفع الثمن الذي قد يتطلبه هذا الدور النضالي.

 

ولأنه اعتاد الجلوس مع كبار الشخصيات العالمية ورؤساء الدول، أظن أنه لم يكن مؤهلا نفسيا أو حتى اجتماعيا للتعامل مع كوادر النخبة المصرية، بكل ما تحمله من عقد ومن أمراض تاريخية، فما بالك بالتعامل مع الجماهير المصرية العريضة بتلقائيتها وبساطتها التي ربما يكون الدكتور البرادعي قد نسي سماتها ومعالمها بحلوها ومرها بسبب وجوده الطويل في الخارج وطبيعة عمله كدبلوماسي.

تجربتي في التعامل مع الدكتور البرادعي، وهي قصيرة لكنها مكثفة، بها تفاصيل كثيرة يحتاج إيضاحها إلى شرح قد يطول ولا يحتمله حوار من هذا النوع، لذا أكتفي هنا بمجموعة من الحقائق المستمدة من هذه التجربة، والتي ربما تكون مفيدة لكل من يريد أن يؤرخ لهذه المرحلة الهامة من عمر الوطن، أجملها على النحو التالي:

1- كنت أول من طرح اسم البرادعي في أحد مقالاتي في صحيفة "المصري اليوم" كمرشح محتمل لرئاسة الوزارة في معرض محاولتي للإجابة عن سؤال: "إذا لم يكن جمال مبارك فمن؟"، كان ذلك قبل ثورة يناير بعامين على الأقل.

2- عقب اختياري منسقا عاما للحملة ضد التوريث في صيف 2009 اقترحت على المشاركين في الحملة، فور قيام البرادعي بإصدار بيانه الشهير حول استعداده للمساعدة في العمل العام في مصر، الاتصال به والتنسيق معه للاستفادة من هذه الفرصة السانحة الحملة ضد التوريث من التمتع بزخم أكبر، وحصلت على تفويض للقيام بهذا الدور.

3- اقترحت على الدكتور البرادعي، في أول اتصال تليفوني معه قبل عودته للقاهرة، أن يلتقي برموز العمل السياسي في مصر، ووافق على الفور، وتوليت بنفسي اختيار الأشخاص المدعوين لحضور هذا اللقاء الذي تم في بيته مساء يوم 22 شباط/ فبراير 2010 على ما أذكر، وأسفر عن تشكيل الجمعية الوطنية للتغيير، والذي قبل برئاستها على مضض، وأصبحت أنا منسقها العام، وبعد ذلك قمت بالاتفاق معه بتشكيل مجموعة صغيرة من أنبل وأفضل من أنجبتهم مصر لقيادة النشاط في الجمعية، ومن ثم تولى الأستاذ حمدي قنديل مسؤولية الإعلام وأصبح المتحدث الرسمي باسم الجمعية، وتولى الدكتور محمد أبو الغار مسؤولية الاتصالات الخارجية (المغتربين)، وكل من الدكتور محمد غنيم والأستاذ جورج اسحق مسؤولية تنسيق النشاط على مستوى المحافظات.. إلخ.

4- لم يمكث الدكتور البرادعي في مصر بعد تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير سوى عدة أيام سافر بعدها إلى الخارج، وعانينا كثيرا من غيابه المتكرر، وكنت أول من انتقد هذا الغياب علنا وبسببه كتبت في أحد مقالاتي في "المصري اليوم": "على الدكتور البرادعي أن يصارح الناس بما يستطيع وبما لا يستطيع.."، وهي عبارة فجرت خلافا بيني وبينه راح يتصاعد إلى أن قررت تقديم استقالتي من منصب المنسق العام، وخلفني فيه الدكتور عبد الجليل مصطفى.

5- كان الدكتور البرادعي ما زال في الخارج حين اندلعت ثورة 25 يناير، ولو كان الرجل قد استجاب لإلحاحنا بالتواجد أكثر في مصر خلال العام الذي سبق الثورة وبذل جهدا أكبر لحل المشكلات التي واجهت نشاط الجمعية الذي كان قد اكتسب زخما هائلا لأصبح هو رمز الثورة وعنوانها بلا منازع ولما حدثت الانتكاسات المتتالية.

وبالعودة إلى مبادرة الدكتور البرادعي، واستخلاصا من تجربتي الشخصية في العمل السياسي بالقرب منه، أعتقد أن قدرته على القيام بدور سياسي في المستقبل ستتوقف إلى حد كبير على طبيعة هذا الدور وعلى ما إذا كان مستعدا ومهيأ نفسيا لاستخلاص الدروس المستفادة من أدواره العديدة السابقة، سواء كرئيس للجمعية الوطنية للتغيير أو كمتحدث باسم "جبهة الانقاذ"، (والتي لم أنضم إليها)، أو كرئيس لحزب الدستور أو كنائب لرئيس الجمهورية بعد 30 حزيران/ يونيو.. إلخ.

السيسي اعترف علنا بعدائه لثورة يناير خلال خطاباته الأخيرة رغم أن أسلوبه أن ينسب أفعال أعداء الثورة للثورة .. فكيف ترى ذلك؟ وهل هذا الاعتراف يفسر كل الإجراءات التي اتخذت ضد الثوار منذ قيام الثورة؟


لا يختلف موقف السيسي من ثورة يناير كثيرا عن موقف بقية أعضاء المجلس العسكري الذي رأى في الثورة فرصة للتخلص من مشروع التوريث. فهذا المشروع كان يعني ببساطة نقل السلطة من مبارك الأب، ابن المؤسسة العسكرية، إلى مبارك الابن، الشخصية المدنية، وهو ما كانت ترفضه المؤسسة العسكرية، خصوصا وأن انتقال السلطة بهذه الطريقة يبدو وكأنه توريث بالدم وليس انتقال بالوسائل الديمقراطية، ومن ثم فقد تتعرض البلاد بسببه إلى قلاقل واضطرابات.

غير أن الوقوف ضد مشروع التوريث لا يعني تلقائيا الوقوف في خندق واحد مع ثورة كانت تستهدف تغيير نظام مبارك ككل، وليس فقط إسقاط مشروع التوريث. ولأن قيادة المؤسسة العسكرية لم تكن راغبة في تغيير نظام كانت وما تزال جزء منه وتربت في كنفه، فقد تبنت على الفور استراتيجية استهدفت احتواء وتصفية الثورة وليس التمكين لها، بالسعي في البداية لتقاسم السلطة مرحليا مع جماعة الإخوان (الرئاسة لنا والبرلمان لكم). لذا، يُلاحظ أن الصراع المفتوح بين المؤسسة والجماعة لم يبدأ إلا حين نقضت الجماعة تعهدها بعدم خوض الانتخابات الرئاسية.

أما موقف السيسي نفسه، المعادي للثورة منذ البداية، فقد عكسه في مرحلة مبكرة دفاعه عن "كشف العذرية"، وراح شعوره بالكراهية تجاهها يتعمق تدريجيا بعد تعيينه وزيرا للدفاع، متخطيا الفريق سامي عنان، ليصل ذروته عقب تمكنه من استغلال أخطاء الجماعة وتوظيفها في تفجير أحداث 30 حزيران/ يونيو، وقد أصاب السيسي تغير حاد بعد هذه الأحداث.

ولأن قطاعات شعبية عريضة كانت قد بدأت تشعر بالفعل بقلق حقيقي متصاعد من محاولات "أخونة الدولة"، فقد تعاملت مع السيسي عقب تمكنه من الاطاحة بحكم الإخوان باعتباره "البطل المنقذ" وراحت تناشده أن يترشح لرئاسة الجمهورية. تلك كانت لحظة مفصلية في حياة السيسي ساعدته على تقمص دور الزعيم والتماهى مع "ثورة 30 يونيو" التي اعتبر نفسه زعيمها ومفجرها، وبالتالي لم ير فيها امتدادا لثورة يناير أو تصحيحا لمسارها، وإنما ثورة على ثورة يناير نفسها.

هناك من يرى أن ثورة يناير تعرضت لهزيمة نكراء على يد النظام الحاكم.. هل تتفق مع هذا الوصف أم أن الثورة لا تزال حية في قلوب أصحابها؟

ثورة يناير هي الثورة الأم وهي وحدها الجديرة بهذا اللقب، وما حدث في 30 يونيو لم يكن ثورة وإنما انتفاضة شعبية ضد حكم جماعة تمكنت من سرقة الثورة الأم واستخدمت الصندوق أداة لاستبعاد القوى التي فجرتها، والتي لولاها لما وصلت مطلقا للسلطة.

وبهذا المعنى يمكن القول إن "انتفاضة يونيو" على حكم الإخوان فشلت بدورها، لأنها لم تنجح في تصحيح مسار الثورة الأم ومكنت لنظام حكم أشدا فسادا واستبدادا من النظام الذي أسقطت رأسه.

في سياق كهذا، يمكن القول إن مصر تعيش منذ يناير 2011 موجات متعاقبة من مد وجذر وهزائم وانتصارات. ولأن غالبية الشعب المصري تدرك الآن، بعد أكثر من خمس سنوات على ثورة يناير، أن أحوالها أصبحت أسوأ بكثير مما كانت عليه من قبل. أظن أن الحنين للثورة ما يزال حيا تنبض به القلوب، رغم الخوف المسيطر على الجميع، وينتظر اللحظة المناسبة ليعبر عن نفسه. غير أن هذه اللحظة لن تجيء إلا حين تتمكن القوى صاحبة المصلحة في إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة خالية من الفساد والاستبداد من استعادة حيويتها وتنظيم صفوفها.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك