الرئيس السابق لـ"حمس" يخشى الفراغ الدستوري بالجزائر (مقابلة)

القرارات الأخيرة انتصار لبوتفليقة الذي يريد الاستمرار إما عن طريق الانتخابات أو التمديد

 

مخطط التأجيل كان جاهزا عند السلطة وهو أسوأ من إجراء الانتخابات حتى لو كانت مزورة

 

الحديث عن الندوة الوطنية الآن سابق لأوانه ولن تكون محل اهتمام وإجماع بين الجميع

 

مظاهرات الغد امتحان لوعي الشعب وستحسم الكثير من القرارات

 

الاحتجاجات الشعبية الخاسر فيها هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والرابح فيها هو الجيش

 

أرفض ترشح الإسلاميين حاليا في الانتخابات ورهاننا في مزيد من الحريات والإصلاحات

حذر الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم الجزائرية، عبد المجيد مناصرة، من "إدخال الجزائر في فراغ دستوري"، موضحا السبب بالقول: "لأن الخروج تماما عن الدستور أمر مخيف، ويأخذنا إلى مجالات أخرى غامضة ومجهولة".

جاء ذلك في مقابلة خاصة لمناصرة مع "عربي21"، قال فيها إن "قرارات بوتفليقة بسحب ترشحه وتأجيل الانتخابات، غير دستورية، وتُعد انتصارا بالنسبة له". 

وأوضح أن سبب ذلك يعود إلى أن بوتفليقة "يريد أن يستمر إما عن طريق الانتخابات أو عند طريق التمديد"، مضيفا: "الرئيس الآن أعلن استمراره في الحكم عن طريق التمديد وبدون انتخابات، وهذا أسوأ من إجراء الانتخابات حتى ولو كانت حولها مقاطعة أو فيها تزوير".

ودعا مناصرة، الذي يشغل منصب رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للبرلمانيين، إلى "البحث عن الحلول الدستورية"، مضيفا أن "الحل الدستوري الذي بقي الآن، أن الشعب إذا قبل بقرارات الرئيس فقد أضفى عليها نوعا من الشرعية، وإذا رفضها على الرئيس أن يستقيل وندخل في حل دستوري مُنظم دستوريا".

وأكد أن المظاهرات المرتقبة غدا الجمعة "سيُمتحن فيها وعي الشعب، لأن الشعب يعي جيدا بأن قرارات الرئيس هي التفاف على مطالبه أو أنه رضي بهذا الجزء الذي تحقق"، منوها إلى أن "وعي الشعب الآن في الامتحان، وسنرى ذلك يوم الجمعة، ولا يمكن لأحد أن يتكلم قبل الجمعة باسم الشعب".

وفيما نص المقابلة كاملة:

كيف ترون قرارات الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة، التي أصدرها الاثنين الماضي، بسحب ترشحه وتأجيل الانتخابات؟ وهل هذا يُعد انتصارا للشعب أم للنظام؟

هي انتصار لبوتفليقة الذي يريد أن يستمر إما عن طريق الانتخابات أو عند طريق التمديد، فهو الآن أعلن استمراره في الحكم عن طريق التمديد وبدون انتخابات، وفي رأيي هذا هو أسوأ من طريق الانتخابات حتى ولو كانت هذه الانتخابات حولها مقاطعة أو فيها تزوير، لأن الخروج تماما من الدستور هو المخيف ولأن القرارات هي لرئيس الجمهورية هي قرارات غير دستورية ولا تستند إلى أي سند دستوري.

والرسالة التي كُتبت باسم الرئيس وفيها هذه القرارات لا تشير إلى أي سند دستوري، بالتالي أنا دائما أدعو إلى البحث عن الحلول الدستورية، ولا أقبل ولا أرى خيرا في البحث عن حلول غير دستورية؛ لأن الخروج عن الدستور يأخذنا إلى مجالات أخرى غامضة ومجهولة. 

أما الحفاظ على الدستور حتى وإن كان ناقصا هو فرصة لإصلاح هذا الدستور مرة أخرى، وضمان لجهودنا أن تتوجه نحو البدائل الهادئة، واستيعاب مطالب الشعب والبحث عن طريق المسار الدستوري، وليس المسارات المجهولة والغامضة.  

هل هذه القرارات تدفع المتظاهرين للاحتشاد أكثر في الشوارع والميادين أم العودة إلى منازلهم؟

القرارات أقنعت البعض ولكنهم أقلية، ولكن أغلبية الشعب الذين طالبوا برفض العهدة الخامسة تأكد لديهم أن هذه القرارات تعني التفافا على مطلبهم؛ فهي عهدة خامسة بدون انتخابات، ولذلك ليس من المصلحة أن يتم التحايل على الشعب والاستهزاء بالوعي السياسي وأن يقبل بيد ما رفضه بيد أخرى، ولكن فيها أيضا استفزاز للشعب ووعيهم، وأخاف من غضب البعض، ولكننا ندعو إلى أن يحافظ الشعب على سلمية تعبيره وسلمية تغييره.

هناك قوى معارضة طالبت سابقا بتأجيل الانتخابات الرئاسية، لكن النظام لم يستجب لها، فما هي الدوافع التي أجبرته على هذه الخطوة؟


مخطط التأجيل كان مخططا جاهزا عند السلطة، وقد يكون عند البعض من أطراف السلطة هو المخطط الأول وعند البعض المخطط الأول هو الانتخابات، فلما رفضت الانتخابات بالعهدة الخامسة تم اللجوء إلى هذا المخطط، وبعض الأطراف ربما طالبت بالتأجيل ولكن اقترحت مخرجا دستوريا واقترحت أن يكون ذلك بالتوافق. 

ولكن الآن الذي حدث هو تأجيل أحادي طبعا هذا رأي كان موجودا عند السلطة أو طرف منها، ولكن الآن إقراره وتنفيذه هو أحادي، الشعب يتكلم بلغة والسلطة تتكلم بلغة وليس هناك حوار، بل نقول هناك حوار الطرشان، ما يعني أن الاتصال مشوش بين السلطة والشعب وبين الأحزاب والسلطة.

بوتفليقة قال إنه لم ينو قط الإقدام على الترشح لعهدة خامسة، لأن حالته الصحية وسنه لا يسمحان له بذلك، فلماذا ترشح من الأساس لعهدة خامسة؟ وهل كان هو صاحب هذا القرار أم لا؟

طبعا هو صاحب القرار، يقول لم أكن أنو بمعنى لم أكن أرغب، والمقصود أنه كما جاء في رسالته: "قبلت تحمل المسؤولية، واستكمال أداء الواجب، وتلبية للطلبات التي قالت بترشيحي"، هكذا يريد أن يقول، ولكن إذا كان السن يسمح بالترشح، إلا أنه لا يسمح بالاستمرار.

كيف ترى ما يوصف بـ"التخبط" و"الارتباك داخل النظام" وفق النشطاء المعارضين الجزائريين؟ وما الذي قد ينتهي إليه لاحقا؟


التخبط موجود فعلا، لأنه نظام شكل على مقاس رجل واحد، وعندما يقع لهذا الرجل الواحد أي حالة تُعيقه عن أداء الأعمال، تحدث مثل هذه الارتباكات. ثم إنها أنظمة تشكل حولها فراغات؛ لأنه حول الرئيس هناك فراغ كبير لا توجد كفاءات. 

لا توجد مؤسسات حقيقية. لا يوجد رأي آخر. لا يوجد نصح. لا توجد البدائل، بالتالي، هناك صحراء قاحلة في محيط الرئيس تصنع هذا الإرباك، وعندما يمرض أو يغيب تكون الأمور مشلولة، بالتالي نرى الأداء فيه إرباك وضعف وتخبط ولا يوجد مخرج إلا أن تُبنى دولة المؤسسات وبناء الديمقراطية الحقيقية.

هل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الجزائر ترسم الآن مسارا سياسيا جديدا بالفعل؟

الشعب في هذه اللحظة حاول تصحيح ميزان القوة في البلاد، لأنه في كل هذه الفترة السابقة هناك أصوات من المعارضة من الشخصيات والأحزاب تنادي بالكثير من الإصلاحات والتغيير، وتنادي بكل ما هو مطروح الآن في الشارع، لكن لما استخفت السلطة بهذه الأصوات ولم تستوعب ما تقول أصبح الميزان مختلا لصالح السلطة، وهنا يتدخل الشعب بتعديل الميزان بأخذ الكلمة ورفع هذه المطالب بأيديه، وهنا ليس أمام السلطة إلا أن تستمع إلى الشعب، وهذا مسار واع.

والمسيرات كانت سلمية وفي قمة الوعي السياسي وعبّرت عن وعي كبير يملكه الشعب الجزائري، وفنّدت كل تلك النظريات التي تقول إنه لا يمكن للشعب أن يخرج لمطلب سياسي فقط، لأنه يخرج لمطالب اجتماعية نتيجة ربما ارتفاع الأسعار أو نتيجة المطالبة برفع الرواتب أو ضد البطالة والظلم.

لكن خرج تحت عنوان سياسي واحد وواضح، وهو رفضه للعهدة الخامسة، بمعنى أن الشعب أدرك أنه حان الوقت ليتكلم هو مباشرة وليس عن طريق الوكلاء ولا الوسطاء ولا الممثلين الذين يمكن أن يُنتخبوا في أي مرحلة من المراحل مثلما كانت الانتخابات في الجزائر معطوبة الشرعية ويشوبها كثير من التزوير.

هل تُعد احتجاجات الجزائر إحياء للربيع العربي من جديد؟

هذه هبة شعبية جزائرية مرتبطة بالأولويات الجزائرية، وهي ليست مرتبطة لا بما حدث في بلد آخر ولا فيما سيحدث في أي بلد آخر، وهي ظروف محلية بأولويات محلية توفرت في الجزائر، وصنعت هذه الهبة وهذا الوعي، وأقول يجب أن لا ترتبط لا سابقا ولا لاحقا بأي ظرف، لأن لكل بلد ظروفه ولكل شعب شروط تحفيزه أو تحريكه. 

وأدعو إلى أن لا ننساق دائما نحو استخلاص قواعد أو ترتيب عناوين كليشيهات جاهزة، كأننا نتفرج في الأفلام أو في المسلسلات.

هل تتوقع تنظيم ندوة وطنية شاملة جامعة بشكل محايد ومستقل لإرساء أسس النظام الجديد بشكل إصلاحي؟

الحديث عن الندوة الوطنية الآن هو حديث سابق لأوانه، رغم أنها مطلب الجميع، لكن ما السياق الذي تُنظم فيه هذه الأخيرة؟ 

إذا كانت في سياق القرارات الأخيرة للرئيس بوتفليقة فلا أعتقد أنها ستكون محل اهتمام وإجماع بين الجميع، لأنه لا يزال الحديث الآن حول هل هذه القرارات فيما إذا كانت دستورية أم غير دستورية، وشرعية أم غير شرعية. 

وهل يقبل الشعب بهذه القرارات أم يرفضها؟ فاليوم لا تزال فئات من المجتمع تعبر عن أنها قبلت إنهاء الخامسة أي قبلت عدم وجود الخامسة، ولكن لن تقبل تمديد الرابعة إلى سنتين أو أكثر أو أقل.

ولكن يوم غد الجمعة (15 مارس) هو اليوم الذي سيُمتحن فيه وعي الشعب، لأن الشعب يعي جيدا بأن هذه القرارات هي التفاف على مطالبه أو أنه رضي بهذا الجزء الذي تحقق. وعي الشعب الآن في الامتحان، وسنرى ذلك يوم الجمعة، ولا يمكن لأحد أن يتكلم قبل الجمعة باسم الشعب.

ما الذي منع بوتفليقة من تنفيذ وعوده بالإصلاحات طوال فترة حكمه 20 عاما، وحينما كان بصحة جيدة؟


كانت دائما هناك مطالب إصلاحية والرئيس بوتفليقة كان أحيانا يتجاوب شكلا مع بعض هذه الدعوات الإصلاحية، ولكن عندما لا يكون ميزان القوة ضاغطا عليه، فغالبا هذه الإجراءات الإصلاحية تُفرغ من محتواها أو يبقى محتواها ضئيلا، أو لا تكون في مستوى التطلعات أو في مستوى المطالب، ولا تُشكل جذبا لإرادة الناس ولإرادة الفاعلين السياسيين. 

فكانت إصلاحات بطيئة تحت عناوين كبيرة بمحتويات ضئيلة، وأحيانا محتويات فارغة، وكثير من مطالبنا الإصلاحية تبناها بوتفليقة، ولكن أفرغها من محتواها.

مثلا نحن طالبنا بتعديل قانون الانتخابات فعدل القانون ولكن بمحتوى يكون دائما ضئيلا بمفهوم الإصلاحات لأنه يملك ميزان القوة في البرلمان المشكل بطريقة تسمح له بتمرير ما يشاء، حتى لما طالبنا بلجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات طرحنا هذا أن يكون في إطار الدستور الذي تم تعديله سنة 2016 تم القبول ولكن تم تحريفه إلى لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات شكلية وليست لها أي صلاحيات.

طالبنا مرة بالإشراف القضائي فأعطانا إشرافا كشهادة الزور، وكانوا شهود زور وأساؤوا لنزاهة الانتخابات أكثر مما خدموها، ولذلك عندما بلغنا لهذه الدرجة من التلاعب بالإصلاحات تولى الشعب الآن مباشرة بنفسه إيصال هذا الصوت ورفع هذا الصوت الإصلاحي التغييري بدرجة أوسع بكثير من كل الأحزاب.

هل لديكم معلومات حول طبيعة الحالة الصحية الآن للرئيس بوتفليقة؟

طبعا ليست لدينا معلومات، ولكن المعلومة التي هي عند الناس جميعا هي باعترافه هو في رسالته الأخيرة أن وضعه الصحي صعب جدا لكن بالنسبة لي لا يمكن أن أنسب هذه القرارات إلا له فهو لا يزال صاحب هذه القرارات وأنا شخصيا أتعامل مع الظاهر؛ فهو صاحب القرار ولا يمكن أن أنسب هذه القرارات إلى أي طرف آخر في السلطة، ولكن وضعه الصحي الظاهر والذي اعترف به وضع صحي لا يسمح له بأن يؤدي أدوارا كاملة كما ينبغي أو كما هو منصوص عليها في الدستور.

كيف تقيم مواقف الأحزاب والمعارضة من الانتخابات الرئاسية والتفاعلات بالمشهد السياسي؟ ومن صاحب الحظ الأكبر في النجاح؟

الأحزاب السياسية تباينت تفاعلاتها بعضها ترشح واستمر، وبعضها ترشح ثم انسحب لاحقا، وبعضها رفض من البداية المشاركة والترشح، ولكن الجامع بينهم أن الجميع يريد أن تكون هناك إصلاحات، وأن تكون هناك فرصة للتغيير وتُتاح الحرية لإجراء انتخابات نزيهة في الجزائر عندئذ لا يهمنا من سيكون صاحب الحظوظ الأوفر في النجاح بقدر ما سيكون الناجح الأكبر في الجزائر هو الديمقراطية والشعب الجزائري والدولة الجزائرية.

ما تقييمكم إجمالا لفترة حكم بوتفليقة؟ وما له وما عليه؟

يمكن أن نحكم على العهدتين الأولى والثانية بتقييم ربما يكون إيجابيا في أشياء وسلبيا في أشياء. طبعا أقول بأن الأداء الاقتصادي لبوتفليقة أداء سيئ واختياراته لبعض الوزراء اختيارات خاطئة، ولم تكن ناجحة، ولكن يمكن أن نقيم أداءه السياسي في تجنيب البلاد الفوضى وفي إجراء المصالحة الوطنية وفي مسح الديون وتسديدها وفي التجاوب مع بعض مطالب الشعب في السكن مثلا يعني تقييم إيجابي ومع أخطاء في مجالات كثيرة.

ولكن بعد ذلك، لما فتح مجال تجديد العهدات وغيّر الدستور، طبعا أصبح هناك باب قد تم فتحه على المجهول، وعلى الارتداد والتردي، ولذلك منذ فتح العهدات لم تر الجزائر النور، وأصبحت ترجع إلى الوراء والدليل النتيجة التي نحن فيها الآن، ما اضطر بوتفليقة إلى تعديل الدستور في 2016، وأن يعود إلى غلق العهدات بمعنى أنه كان هذا القرار خطأ لأنه لا يمكن أن نبني دولة إلا بالتداول السلمي على السلطة وبتحديد العهدات الرئاسية، وحتى يكون هذا التداول ممكنا لأنه في عوالمنا نحن لا يمكن لرئيس للجمهورية أن يترشح ويخسر المنافسة الانتخابية فإذا ترشح فالنجاح مضمون، ولذلك هذا الذي أوصلنا إلى هذه النتيجة. 

هناك من يرى أن الأزمة لا تكمن في شخص بوتفليقة، بل في الأطراف المتصارعة حوله، وأصحاب المصالح والنفوذ كبيرة جدا، والذين لا يستطيع أحدهم أن يتغلب على الآخر.. فهل حقيقة المشكلة تكمن في بوتفليقة أم في الأطراف المتصارعة حوله داخل النظام؟


الرئيس في النظام الجزائري هو صاحب صلاحيات كبيرة، خاصة في ظل حكم الرئيس بوتفليقة، فلا يمكن أن يبرأ مما يحدث حوله سواء عندما كان بصحته أم لا مثل الآن. الشعب أمامه رئيس بكامل الصلاحيات، فلا يمكن أن نبحث عن أسباب أخرى وهمية أم مجهولة أو مخفية أو في الظل، ونترك التعامل معه، نحن نتعامل مع رئيس جمهورية بصلاحيات رئيس جمهورية، وأنا شخصيا هذه قراءتي دائما السياسية ولا أبحث عن المجهول.

رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى حذر سابقا الشعب من الانضمام إلى الاحتجاجات، قائلا إن الحرب الدموية في سوريا بدأت بتظاهرات وورود، وانتهت بالدم.. فهل من الوارد تكرار السيناريو السوري في الجزائر؟

رئيس الوزراء السابق يحذر، ولكن شخصيا أقول بأن الشعب الجزائري قرأ تجربته، وقرأ تجارب الآخرين بشكل جيد، ووعى الدروس جيدا، وأثبت هذا في الميدان في ثلاثة جمعات وفي مسيرات في قمة السلمية وقمة التحضر والوعي السياسي ونحن نوجه التحية لهذا الشعب على هذا السلوك وعلى هذا الوعي.

ونتمنى أن يستمر هذا الوعي وأن تستمر السلمية، وتستمر المسيرات السلمية، ولا يمكن للجزائر أن تُقارن بأي بلد آخر حدثت فيه اضطرابات، لكن هذا أيضا نداء للجميع سلطة وجيش وأمن ومتظاهرين وسياسيين أن يحافظوا على سلمية التحرك الشعبي ولا يسمحوا إطلاقا لأي محاولة بتعكير صفو هذه المسيرات وسلميتها، وأن لا يغفلوا، لأن هناك متربصون كثيرون يريدون إغراق الجزائر في هذا الوحل وفي هذه الفوضى. 

مصلحة الجميع أن لا يحدث شيء، والشعب حر في التعبير، وحر إذا أراد أن يستمر في هذه المسيرات، وذلك من حقه، وإذا الشعب اقتنع بقرارات الرئيس هو حر أيضا بأن يعبر عن ذلك، لكن أنا رأيي الخاص لا أرى مظاهر الرضا عند الشعب بهذه القرارت، إنما هناك مظاهر للرفض واضحة لهذه القرارات. 

ما هو موقف المؤسسة العسكرية من التطورات التي تشهدها الجزائر؟ وهل هي أبرز المستفيدين من الاحتجاجات الشعبية؟

أعتقد أن هذه الاحتجاجات الشعبية الخاسر فيها هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والرابح فيها هو الجيش؛ لأن الهتافات في الشارع تقول لا للعهدة الخامسة الجيش الشعب خاوة خاوة، بمعنى أن وعي الشعب حيّد الجيش من معادلة الرفض والحراك، لأن هذا الجيش أولا هو جيش شعبي، ثم إنه جيش كل الجزائريين وجيش لا يتدخل في الخلافات والصراعات السياسية، وعليه أن لا يتحمل تبعات فشل وأخطاء السياسيين حتى وإن كان رئيس الجمهورية.

طبعا هذا جيش منضبط وجيش مؤسسة وجيش عنده في رصيده عند الشعب الجزائري رصيد ضخم لأنه سليل جيش التحرير وعليه دائما أن ينحاز إلى مصالح الدولة التي لا يمكن أن تتناقض مصالحها مع مصالح الشعب وطموحاته، فلذلك له دور كبير في الحفاظ على السلمية ودور كبير في الاستمرار في حماية الجزائر من أي محاولات لإثارة الفوضى سواء كانت من خلال الحدود أو من خلال محاولة اختراق هذه المسيرات أو من خلال الأطراف الخارجية التي تريد دائما أن ترى الجزائر في فوضى وفي حالة عدم الاستقرار وأن يتقاتل الجزائريون فيما بينهم، كما حدث لنا للأسف الشديد في العشرية الماضية.

رئيس أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، قال إن الجيش والشعب لديهما رؤية بشأن المستقبل.. فهل هذه إشارة تؤكد أن القوات المسلحة أبدت تعاطفا مع الاحتجاجات؟

 

الجيش أكد أنه يحترم إرادة الشعب ويحترم هذه المسيرات ويحترم مطالب الشعب، ولكنه لم يعبر بأنه مع الشعب ضد الرئيس لأنه يترأسه الرئيس نفسه والذي هو وزير الدفاع، فلذلك هو لم ينحز للشعب ضد الرئيس، والجيش مُطالب منه أن يكون حاميا للدولة، ولكن في الوقت ذاته، عليه أن لا يتحمل أخطاء الرئيس، ولا يتحمل أخطاء السياسيين بصفة عامة، ولا يتحمل أي صراع سياسي أو إيديولوجي.

برأيك: من الذي يُسيّر ويحكم الأوضاع في الجزائر الآن؟

المؤسسات الدستورية الموجودة بداية من الرئيس.

هناك من يرى أن الجيش الذي هدد المتظاهرين باستخدام القوة كما صرح رئيس أركانه سابقا، يمكنه أن ينفذ التهديد مطيحا بالمتظاهرين وببوتفليقة معا، ليتأسس الحكم العسكري المباشر.. هل هذا وارد برأيك؟

 

الجيش ليس من اللازم أن يعلن في كل مرة أنه ليس راغبا في الحكم أو يتحمل مسؤولية بديل سياسي، إنما هو أيضا معني بالدستور، وقد صرح بذلك قائد الأركان ونائب وزير الدفاع أن الجيش يحترم الدستور ويحافظ عليه. 

ولذلك مطلوب منه أن يستمر في الدفاع عن الدستور القائم، حتى وإن كان لنا عليه ملاحظات، ولكن يبقى دستورا يجب أن يتم حمايته وعندما نصلحه أو نعدله بالتوافق وبالإرادة الشعبية لا يمكن للجيش الجزائري أن نراه في خصومة مع الشعب الجزائري، ولذلك لا يمكن أن نراه في مواجهة مع الشعب الجزائري، بل هو من سيحمي الشعب الجزائري عندما يُهدد هذا الشعب.

ما موقفكم من ترشح إسلاميين في الانتخابات الرئاسية؟

أنا ضد ترشح الإسلاميين في هذه الانتخابات؛ لأن الظروف ليست خادمة لهذا الترشح، وليست رهانا بالنسبة إلينا. رهاننا في مزيد من الحريات وفي مزيد من الإصلاحات وفي تغيير حقيقي، والرئاسيات ليست رهانا في هذه المرحلة.

إلى أي مدى تم طي صفحة "تجربة العشرية السوداء" في الجزائر؟

إلى مسافة متقدمة، ولكن ظلالها لا تزال موجودة وآثارها كذلك، ولا يزال الخوف من تكرارها أيضا موجودا ويجب أن تبقى درسا للأذهان يحافظون على بلدهم ووطنهم ويحافظون على الحريات والديمقراطية، وأيضا أن يقبلوا ببعضهم البعض ولا يقصي أي طرف طرفا آخر؛ فالجزائر للجميع والشعب هو الذي يفصل في أي منافسة انتخابية.

هل نحن أمام جمهورية جزائرية جديدة؟ وما هي أهم ملامحها المرتقبة؟

أنا كنت من الذين طالبوا في 2011 بضرورة الانتقال إلى الجمهورية الثانية. الآن الجميع يتكلم بهذا بما في ذلك النظام ويتكلم بتغيير النظام، ولذلك يجب تعريف هذه المصطلحات، لأن الجميع أصبح يستعملها وكل طرف لديه مدلول خاص، فلما نقول جمهورية جديدة هذا يعني أن نعطي للشعب أن ينتخب بكل حرية وبانتخابات نزيهة، وأن تقيم دولة العدل والقانون والمؤسسات، وأن تقبل بنتائج الانتخابات، وأن تعطي الحرية للجميع، ولا تقصي أحدا هذه هي الجمهورية الجديدة، لأن الانتقال الديمقراطي في الجزائر منذ 1989 بعد أحداث 5 أكتوبر 1988 لم ينجح حتى الآن ولم يكتمل.

ولذلك، عندما يكتمل الانتقال الديمقراطي نقول إننا دخلنا في جمهورية جديدة. خطاب السلطة يتكلم على جمهورية جديدة ولكن لا أعتقد أن القديم يصنع جديدا على الإطلاق، ولا أنتظر أن النظام يُغيّر نفسه تغييرا حقيقيا؛ فالتغيير لن يأتي إلا بإرادة الشعب ووجود البدائل المتاحة أمام الشعب لاختيارها. 

فرنسا سارعت بالترحيب بقرارات بوتفليقة، قائلة إنها تأمل أن تشهد الجزائر ديناميكية جديدة تلبي تطلعات الشعب.. فهل تعتقد أنه جرى تنسيق بين الجانبين قبل الإقدام على هذه الخطوة؟

أكيد فرنسا لها دور في هذه الحلول، وهي تتخوف من الفوضى في الجزائر، ونحن نتخوف من هذه الفوضى أكثر منها، لأن فرنسا تتخوف من الفوضى التي قد تهدد مصالحها، ولكنها لا تريد دولة جزائرية قوية، ولا تريد جيشا قويا في خدمة سيادة الجزائر، ولذلك تبحث دائما على مصالحها، وهي رحبت لأنها ترى بأن القرار سيكون مقبولا شعبيا وخوفا من الاضطرابات.

ولكن فرنسا يجب أن تُدرك بأن ما تقوم به استفزاز للشعب الجزائري، الذي لا يرى ذلك إلا تدخلا في شؤونه، والشعب الجزائري رفع شعارات كثيرة لا للتدخل الخارجي. لا فرنسا ولا أمريكا، ولا أي دولة أخرى؛ فالجزائريون يستطيعون أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم.

ما هي فرص إجراء الانتخابات في أفضل ظروف ممكنة وبشفافية كاملة؟

أعتقد إذا توفرت الإرادة واستجابت السلطة لإرادة الشعب، فبالتأكيد ستكون هناك انتخابات نزيهة، ولكن إذا تم التحايل على الشعب والالتفاف على مطالبه، فسنشهد طبعا تجديدا للوجوه وللأشكال، وبقاء للنظام ذاته وللجوهر ذاته.

ما هي رؤيتكم لكيفية الخروج من المأزق الحالي؟

لابد للشعب أن يعبر عن رأيه، فإذا رفض هذه القرارات فما على الرئيس إلا أن يستقيل، وعندئذ الدستور ينظم كيفية الانتقال السلس للسلطة مؤقتة في ظرف 90 يوما وتُجرى انتخابات رئاسية. وهذا الذي بقي في يد الرئيس الآن، وكما استمع للشعب فامتنع عن الترشح وأجل الانتخابات عليه أن يستمر الاستماع للشعب.

وأُحذر من إدخال الجزائر في فراغ دستوري، حيث سنضطر عندئذ إلى البحث بمشقة على معالجة الفراغ الدستوري. أنا أدعو دائما للبحث عن الحلول الدستورية والحل الدستوري الذي بقي الآن هو أن الشعب إذا قبل بهذه القرارات فقد أضفى عليها نوعا من الشرعية، وإذا رفضها على الرئيس أن يستقيل وندخل في حل دستوري مُنظم دستوريا.

ما هي مآلات هذا المشهد وتطوراته؟

الأمور تبقى غامضة، ولكن يجب أن يستمر الحوار المحمي بيقظة الشعب وبسلمية الحراك للوصول إلى حلول شعبية، وأي حل خارج الدستور وأي حل خارج الإرادة الشعبية فهي حلول تفتح أبواب نحو المجهول لا نستطيع أن نتأكد من إيجابياته، ولا أتمنى أن ندخل في أي مسار مجهول أو مسار لا تحمد عقباه. 

أدعو الجميع إلى أن يتكاتفوا حماية للجزائر وتحقيق إرادة الشعب وترسيخ لأسس التغيير الديمقراطي السلمي.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك