عن البشير والحركة الإسلامية والتغيير

من مفارقات القدر أن أكون على الهواء (في أحد محطات التلفزة) خلال إعلان بياني الانقلاب المصري في 3 تموز (يوليو) 2013، والسوداني 11 نيسان (أبريل) 2019، لأصف كليهما ـ بلا تردد ـ بالانقلاب مكتمل الأركان، ومن المفارقات أيضا أن نظام البشير -رغم أنه آوى الكثير من مناهضي حكم السيسي-إلا أنه منعني من دخول السودان ـ في إطار تنسيق أمني مع نظام السيسي بعد أن وصلت فعلا إلى أرض مطار الخرطوم ـ يوم 12 كانون أول (ديسمبر) الماضي بدعوة رسمية من اتحاد الصحفيين السودانيين للمشاركة في الجمعية العمومية للصحفيين الأفارقة قبل أسبوع واحد من اندلاع الانتفاضة.

 

وضع سائل

الوضع في السودان الآن لا يزال مرتبكا، سائلا، فلا المجلس العسكري قدم تصورا متكاملا لإدارة المرحلة الانتقالية، ولا المعارضة اتفقت أيضا على تصور جامع، ولا الحراك اتفق على من يمثله، وهي حالة تسمح بالتأكيد للفريق الأقوى بفرض تصوره.

بيني وبين السودان علاقة خاصة، فجزء من أقاربي هم من أبناء السودان، وهم ينتمون لتيارات سياسية متنوعة، وحين خرجت من مصر عقب فض رابعة كانت وجهتي مثل الكثيرين هي الخرطوم قبل أن أنتقل منها بعد شهر أو يزيد، ومن قبل ذلك كنت على متابعة دائمة لانقلاب البشير ورفاقه في حزيران (يونيو) 1989 من موقع الصحفي، وصاحب الموقف السياسي أيضا، وقد كنت من أوائل الصحفيين الشبان الذين أتيح لهم بعد عام من وصول الإنقاذ لقاء مباشر مع الرئيس عمر البشير في مكتبه (كان مديره في ذاك الوقت الدكتور غازي صلاح الدين العتباني)، كنت في مهمة صحفية بصحبة أستاذي ورئيس تحرير جريدة الشعب عادل حسين رحمه الله، وكانت له حظوة كبيرة لدى رجال الإنقاذ الذين تشكل وعي الكثيرين منهم على أفكاره المتماهية مع أفكار الراحل الدكتور حسن الترابي (الأب الروحي للإنقاذ).

 

 

أكثر ما شغل الناس هو الأزمة الإقتصادية التي انعكست موجات متصاعدة للأسعار لم يعد السودانيون يحتملونها


في ذاك الوقت كان رجال الإنقاذ ما زالوا على الفطرة السياسية، والطهر السياسي والاقتصادي، حتى كتب عادل حسين مقالا عنهم وصفهم بمجلس الصحابة. كان البشير متمسكا بالإقامة في بيته الذي تزوج فيه، وكان بقية ضباط الإنقاذ نماذج للطهر، والزهد، ونجح رجال الإنقاذ في إنجاز بعض المشاريع التنموية الكبرى مثل شبكة الجسور على النيل والطرق بين الولايات، وتطوير السكك الحديدة، والتوسع في إنشاء الجامعات في الخرطوم وبقية المحافظات، إلخ.

 

السلطة المطلقة مفسدة مطلقة
 
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، مقولة تفسر التحولات التي مرت بها حكومة الإنقاذ التي انفردت بحكم السودان حكما مطلقا، فأولئك الأطهار الزاهدون تحول الكثيرون منهم إلى فاسدين يتحكمون في اقتصاد السودان، وتجارته الداخلية والخارجية، دون محاسبة من برلمان أو أجهزة رقابية أخرى، وأصبحت أسماء الكثيرين مرتبطة باحتكارات وقطاعات معينة، وفي الأثناء شهد السودان عدة حروب أهلية في شرقه وغربه وجنوبه الذي انفصل فعلا مطلع العام 2011، بينما استمرت الحرب في دارفور ومناطق أخرى. 

 

 

حملت حكومة الإنقاذ شعارات إسلامية، منذ أيامها الأولى، وأصبحت على أي حال واحدة من تجارب الإسلاميين في الحكم

 


ولكن أكثر ما شغل الناس هو الأزمة الاقتصادية التي انعكست موجات متصاعدة للأسعار لم يعد السودانيون يحتملونها، وقد خرجوا أكثر من مرة احتجاجا على الغلاء والقمع الأمني، وكانت أحدث الموجات وأعلاها هذه الأخيرة التي انطلقت في 19 كانون أول (ديسمبر) الماضي، وانتهت "باقتلاع" رأس النظام المشير عمر البشير بعد 30 عاما من الحكم. وكان بإمكانه (لكنه أبى) إعلان عدم ترشحه للانتخابات المقبلة بعد عام ليخرج من الحكم بشكل كريم فاتحا الباب لتطور ديمقراطي حقيقي.

حملت حكومة الإنقاذ شعارات إسلامية، منذ أيامها الأولى، وأصبحت على أي حال واحدة من تجارب الإسلاميين في الحكم، يدعمها تيار قوي، وحزب صلب (الجبهة الإسلامية التي تحولت لاحقا إلى مسمى الحركة الإسلامية والتي انقسمت بدروها إلى المؤتمرين الوطني والشعبي)، وواكبت هذه التجربة (عبر تاريخها الممتد لثلاثين عاما) تجارب لإسلاميين آخرين سواء في إيران أو تركيا، بالإضافة إلى مشاركات جزئية للإسلاميين في الحكم مثل اليمن والأردن والمغرب وتونس، أو تجربة قصيرة لمدة عام فقط كما حدث في مصر (حكم د. محمد مرسي).

 

أكثر التجارب تشوها

ومن بين التجارب الإسلامية السابقة كانت التجربة السودانية في سنواتها الأخيرة أكثر التجارب تشوها، وصارت "سبة" يعير بها الإسلاميون في السودان وخارج السودان، بعد انصراف الكثير من رموزها لـ"البيزنس" واستغلال مواقعهم الوظيفية والحزبية في التربح غير المشروع على حساب الشعب، حتى أصبح السودان أحد أبرز الدول في قوائم الفساد العالمية، ومع انزلاقها في حروب داخلية خاصة في درافور أصبح رأس الدولة وعدد من مساعديه مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية (طبعا لا يعني هذا الموافقة على تلك المحكمة وتوجهاتها التي تكيل بأكثر من مكيال)، وتبع هذه المطالبات تعرض السودان لحصار اقتصادي دولي ظالم رهيب عانى منه الشعب فوق طاقته، وهذا الحصار دفع النظام لتقديم التنازلات المتتالية لأطراف إقليمية ودولية، وكان بعضها على حساب شعبه وبعضها على حساب المبادئ والشعارات التي لطالما رفعها. (لا يدفعنا ذلك إلى نكران جميل حكومة البشير في إيواء المصريين ومن قبلهم السوريين والليبيين والتونسيين الفارين إليه، ولا دعمه للقضية الفلسطينية في حدود إمكانياته وهو ما عرضه لضربة إسرائيلية- في مصنع الشفاء).

سوء إدارة حزب المؤتمر الوطني لشؤون الحكم في السودان خلف البشير، وخاصة في السنوات الأخيرة رسم صورة سلبية لدى السودانيين عن عموم التيار الإسلامي، رغم أن الكثير من مكوناته عارض الكثير من سياسات البشير، بل إن الكثيرين شاركوا في الحراك الأخير، ونذكر في هذا الصدد البيان الذي أصدره الراحل الدكتور علي جاويش مراقب الإخوان المسلمين بعد يوم واحد من اندلاع المظاهرات يوم 20 كانون أول (ديسمبر) الماضي، معلنا فيه أن الجماعة تقف صفا واحدا مع المواطن السوداني داعيا المتظاهرين أن يعبروا عن غضبهم بطريقة سلمية، وموجها انتقادات للسلطة. وقد تكرر الأمر مع الدكتور عوض الله حسن (الإخوان المسلمين ـ جناح الشورى)، كما أن الدكتور غازي صلاح الدين رئيس حركة الإصلاح (المنشقة عن المؤتمر الوطني) كان يقود بنفسه بعض المظاهرات في أم درمان، وانسحبت حركته من الحكومة بعد اندلاع المظاهرات كما انسحب إسلاميون آخرون سواء من الحكومة الاتحادية أو من حكومات الولايات أو البرلمان، وكان العديد من رموز القوى الإسلامية وشباب الحركات الإسلامية مشاركا في المظاهرات واعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة.

 

 

سوء إدارة حزب المؤتمر الوطني لشئون الحكم في السودان خلف البشير، وخاصة في السنوات الأخيرة رسمت صورة سليية لدى السودانيين عن عموم التيار الإسلامي


رغم مواقف بعض القوى الإسلامية المعارضة للبشير إلا أن أصواتا عالية رفعت خلال التظاهرات الأخيرة وخلال اعتصام القيادة وفي حوارات بعض المتحدثين عبر الإعلام تطالب باستئصال الإسلاميين الذين تصفهم تلك الهتافات بالكيزان، وهو وصف كان يطلق فقط على أعضاء المؤتمر الوطني، لكنه الآن أصبح وصفا لعموم الإسلاميين، وهذا الموقف الإقصائي يجعل الحراك الحالي معبرا عن جزء من السودانيين (مهما كان حجمه) وليس كل السودانيين، ويعيق التحول الديمقراطي المنشود، ويحول دون اكتمال الثورة وتحقيقها لتطلعات الشعب، ومن هنا فإن واجب الوقت خلال هذه الفترة هو البدء بحوار جدي بين القوى الليبرالية واليسارية مع القوى الإسلامية والاتفاق على خارطة طريق ومشروع سياسي لإنقاذ السودان بمشاركة الجميع، ولو نجحت هذه القوى في التوصل إلى هذا الاتفاق فإنها حتما ستكون قادرة على فرضه على المجلس العسكري مدعومة بالحشد الثوري في الميادين.

 

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك