حوار ساخن مع الجبالي حول الرئاسة وموقفه من دول الإقليم (ج2)

قال رئيس الوزراء التونسي السابق حمادي الجبالي إنه اجتمع مع كافة من أعلنوا ترشحهم للرئاسة حتى الآن "ممن ينتمون للثورة" باستثناء الرئيس السابق المنصف المرزوقي بهدف الاتفاق على مرشح واحد، مضيفا أن الاجتماع لم يتمخض عن اتفاق حتى الآن، ولكنه سيتابع المحاولة.

وأضاف الجبالي في حوار ساخن مع "عربي21" أجراه رئيس التحرير فراس أبو هلال في تونس: "إن الرئيس لديه صلاحيات جيدة في الدستور وأنه يمكن أن يخدم بلاده من خلال هذا المنصب"، مؤكدا أن شباب "النهضة" يمتلكون الذكاء والحكمة وأنهم عندما يقفون أمام صندوق الانتخابات فلن يلتفتوا للتعليمات الحزبية.

وطالب الجبالي الرئيس السابق المنصف المرزوقي بالتوافق، مشيرا إلى أن الأخير يجب أن لا يخطئ في قراءة شعبيته، لأنه حصل على غالبية أصواته في الانتخابات السابقة من أبناء النهضة وجمهورها، حسب قوله.

واتهم الجبالي دولا عربية من بينها السعودية والإمارات بمناهضة الثورات لأن لديها مشكلة ثقافية وفكرية معها، وأنها لا تقبل بالحريات والديمقراطية، ولكنه أشار في نفس الوقت بأن تونس لا تريد تصدير الثورة لهذه الدول ولذلك عليها أن لا تخشى من ديمقراطية تونس.

وقلل الجبالي من أهمية الموقف الإقليمي والغربي من ترشح أو فوز رئيس "إسلامي" في تونس، وقال إنه يرفض استخدام مصطلح إسلامي، مضيفا أن بلاده تسعى لعلاقات ومصالح جيدة مع الإقليم والعالم، ولكنها لن تنتظر أن يعطيها أحد الضوء الأخضر لاختيار رئيسها.

وفيما يلي الجزء الثاني والأخير من الحوار:

س ـ قلت إنك ستترشح للرئاسة.. هل يمكن أن توضح الفكرة التي طرحتها لاختيار مرشح توافقي؟


 ـ الرئاسة سيكون فيها استقطاب ليس أيديولوجيا، بل استقطاب محمود بين من يؤمنون بالحرية والعدالة وبين من ارتدوا عن الثورة ويدعمون الاستبداد والفساد، وقلت لكل أبناء الثورة والمرشحين لهذه الانتخابات: لماذا تتقدمون للانتخابات وأنتم فرادى ومشتتون على الرغم من أنكم تمتلكون برامج موحدة وأرضية مشتركة؟ افتحوا الدستور ستجدون البرنامج، فليكن برنامجكم هو تطبيق الدستور وتفعيله.

لقد دعوت لاجتماع لمن ينوون الترشح للرئاسة وحضره الجميع باستثناء المنصف المرزوقي، وقلت لهم: هل تعتقدون أننا إذا تقدمنا بـ 8 أو 10 مرشحين فيمكن أن يمر واحد منا بهذا الشكل؟ بالتأكيد سيأخذ كل واحد منا نصيبه 2 أو 3% ثم يخرج من الانتخابات، فلماذا لا نشكل حتى قبل الدور الأول هذا التحالف الرئاسي الذي يعتمد على البرنامج الموحد والمُعلن أمام الناس؟

ويقوم هذا التحالف على برنامج عام وليس تفصيليا يبنى على صلاحيات الرئيس الموجودة في الدستور وهي الدفاع والأمن والخارجية والمبادرة التشريعية ووحدة الشعب، أما آلية الفرز، وبما أن الانتخابات الأولية التي تعتمد في الدول المتقدمة لاختيار مرشح توافقي غير مسموحة عندنا في تونس، فما أطرحه هو تشكيل مؤسسات محايدة وشفافة محلية أو حتى دولية -إذا لزم الأمر- ويشارك الجميع في تحمل تكاليفها، وللجميع الحق في تعيين مراقبين لعمل هذه المؤسسات، بحيث تعمل على سبر الآراء الشعبية بين المرشحين. ويمكن أن تجرى عملية سبر الآراء على مرحلتين؛ الأولى يختار فيها سبر الآراء مرشحين من بين كل من يرغبون بترشيح أنفسهم، والمرحلة الثانية يتم فيها اختيار المرشح الرسمي من بين الاثنين اللذين تم اختيارهما في المرحلة الأولى، مع التزام كتابي وعلني من الجميع بدعم المرشح الذي يتم اختياره من بيننا، وقلت: أنا التزم من اللحظات الأولى بأن أكون في خدمة أبناء الشعب وأن أقول إن هذا هو مرشحنا ومرشح الثورة. 

س ـ وكيف كان التجاوب مع ما طرحت؟


 ـ فتور. قلت لهم إن هذا سيكون امتحانا لكم وللشعارات التي ترفعونها بأنكم تريدون إعلاء مصلحة الشعب، وسيتضح أن من يرفض هذه المبادرة له مصلحة شخصية في الحكم، وفي هذا السباق المحموم نحو قرطاج، وعليكم أن لا تقولوا لنا مرة أخرى مصلحة الشعب وخدمة الشعب. إذا ما كنت تريد خدمة الشعب فعليك أن توحد جهودك، كي لا تضيع كل هذه الأصوات ولنعطي رسالة إيجابية للشعب التونسي ورسالة إيجابية للخارج أيضا بأن هناك بديلا عن هذه المنظومة الفاسدة التي سوف تأتي، كونوا متواضعين لشعبكم وثورتكم، وتجاوزوا المجد الشخصي. وأنا على كل حال سأواصل في هذه المبادرة وسأحرجهم في ذلك، وسوف أنظم مؤتمرا صحفيا أعلن فيه كل هذه التفاصيل والنتائج.

س ـ هل تم الاتفاق على عقد جلسات أخرى؟


 ـ سأسعى في ذلك خلال الأيام المقبلة، وسأقوم بحملتين، ولن أتوقف في هذا الصدد، ومسعاي ألا ندخل الانتخابات إلا بمرشح واحد ومن الدور الأول حتى تكون له فرصة نجاح قائمة من الدور الأول، وتأكد أننا لو دخلنا فرادى ومشتتين حتى لو نجح أحدنا في الوصول للدور الثاني فإنه سيتعرض للحرب والإفشال، وسيجندون كل قواهم وأبواقهم الإعلامية والأمنية والخارجية والسياسية للإطاحة بهذا المرشح، وتجربة 2011 والترويكا خير دليل. أما لو دخلنا بمرشح واحد من الدور الأول فإن إمكانية نجاحه ستكون أكبر بكثير.

س ـ ما هي الأسباب التي دفعت المنصف المرزوقي إلى عدم المشاركة؟


 ـ لا أعرف الأسباب تحديدا، لكنه يبقى صديقي حتى لو تحدث عني كثيرا، وهو للأسف خاض في قضايا شتت بها الجهود وشتت الصف، وأنا سأدعو المنصف وغيره إلى لقاءات ثنائية لنُحكِّم الجميع في هذا القرار.

وأخشى ما أخشاه أن المنصف انطلق من قراءة خاطئة لانتخابات 2013، لأن ما حصل عليه من أصوات فيها كان من جمهور "النهضة" في معظمه، فإذا ترشح حمادي جبالي أو غيره من "النهضة" فهو يدرك أنه سيسحب أصوات "النهضة" منه وسوف ينافسه محمد عبو في البقية. وأقول للمرزوقي: إذا كنت أنت مقتنعا بأنك الأول في صدارة المرشحين فلماذا ترفض الاحتكام إلى آراء حقيقية ويكون وراءك حمادي الجبالي وغيره من المرشحين وتضمن لنفسك أصوات "النهضة" حتى لو رفضت قيادة "النهضة"؟ ومع ذلك فأنا لم أفقد الأمل، وسأبقى أحاول معهم حتى آخر لحظة.

س ـ ولماذا لم تتحدث مع حركة "النهضة" حتى قبل اختيار مرشحها كحزب؟


 ـ أطرح عليهم نفس الخيار ونفس المقترح، وأقول لهم: تعالوا إلى حسم القضية بما تريدون من آليات حتى نسير إلى الانتخابات بمرشح واحد.

س ـ وهل تحدثت معهم بشكل رسمي؟


ـ تحدثت معهم إلى حد ما، وما فهمته حتى الآن أن "النهضة" ليست لديها نية الترشيح، وإذا ما رشحت أحدا فسيكون الشيخ راشد الغنوشي الذي يبدو أنه لا يريد أن يترشح لأسباب كثيرة، والأقرب أنها ستدعم شخصية من داخلها أو من خارجها أو محيطها. ويبدو أن من المستبعد أن تدعم حمادي الجبالي، وأنا لست قلقا من هذا الأمر.. لنجعل جمهور "النهضة" والشعب التونسي يختار، وتأكد أن أبناء "النهضة" من الذكاء والوعي أنهم عندما يقفون أمام صندوق الاقتراع لن يسمعوا التعليمات والأوامر.

س ـ وبالتالي ستمضي بفكرة الترشح حتى لو فشلت فكرة التوافق على شخص واحد، وحتى لو دفعت "النهضة" بمرشح معين أو دعمت شخصا معينا؟


 ـ إذا كان المرشح من داخل "النهضة" سأذهب إليه وأقول له: علينا أن نحسم الأمر ونتبارى قبل أن نذهب معا إلى الانتخابات، وإذا نجحت أنت سأكون معك ووراءك؛ فلا ينبغي أن نسير اثنين أو أكثر إلى الانتخابات.

س ـ وهل هذا يشمل الشيخ راشد الغنوشي؟


  ـ نعم يشمل الجميع. وإذا ما قالوا إن المؤسسة هي التي تحسم القرار فهم أحرار أمام الشعب والتاريخ. وسيظهر أنهم فرقوا القاعدة الشعبية التي تريد أن ينجح مرشح واحد يحافظ على الثورة، وأذكر بما حصل مع اليسار الفرنسي عام 2004، عندما تفرق وتوزعت الأصوات وتشتت، ما أدى إلى خروج اليسار من التاريخ، وهذا الامتحان سيزيل القناع أمام الشعب وسيظهر حقيقة الشعارات حول العمل لأجل مصلحة الشعب.

س ـ لنفترض أن حمادي الجبالي نجح بالحصول على توافق للترشح للانتخابات من المرشحين الآخرين.. هل تعتقد أن تونس مستعدة الآن لقبول رئيس "إسلامي"؟


 ـ هذا الفخ الذي وقعنا فيه، ونحن نعاقب أنفسنا بالقبول بهذا الفخ، لأننا كأنا صرنا مقتنعين بأننا "مواطنون من الدرجة الثانية"، وأن الحكم لا بد أن يكون من خارج منظومتنا. وعندما أقول نحن فلا أقصد الإسلاميين، لأنني لم أعد أقبل هذه التسميات، لأن من يريد أن يترشح للرئاسة ويختاره الشعب التونسي يجب أن يكون فوق الاعتبارات الأيديولوجية والحزبية.. وأن يعمل مع كل من يريد أن يخدم تونس وأن يكون ما يريده هو أن يخدم بلاده. هم يريدون أن يوقعونا في الفخ وأن يقولوا: أنت إسلامي فانتظر أن نعطيك الضوء الأخضر.. وكأنه لا حقوق مواطنة لنا.

أما بخصوص الغرب فهو يتعامل بعقلانية، ويتعامل بالمصالح.. صحيح أن الأيديولوجيا تهمه، ولكن في النهاية المصالح هي التي تحكم العلاقات.

وإذا نجحت في الانتخابات، فسأعمل على فك هذا الحصار والطوق الذي يضعونه حولنا، وسأنفتح على كل الشعب التونسي وخصوصا الشباب... ستشن حملات إعلامية بلا شك، ولكن هذه مجرد حرب نفسية سنقاومها.. والحياة نضال وسنواصل النضال.

س ـ كيف يمكن أن يواجه الخوف من الإسلاميين الذي قد ينشأ لدى الشعب نتيجة الحملات الإعلامية؟


 ـ الشعب التونسي واع ولن يتأثر كثيرا، وهو شعب متنوع، وكل الشعب يفتخر بإسلامه حتى غير المتدينين. الشعب التونسي سيقيم الرئيس بإنجازاته وليس بأيديولوجيته، ولا بما يستمع له من الإعلام. كما أن الحملات الإعلامية سابقا جاءت بردات فعل عكسية، وحتى الجبهة الشعبية هناك أصوات فيها تطالب قياداتها بالالتفات إلى الشعب التونسي ومراجعة موقفها من موقع الدين في المجتمع.

س ـ كيف يمكن أن تحقق إنجازات في ظل إعطاء الدستور صلاحيات قليلة للرئيس؟


 ـ هذا التوصيف غير صحيح، وهي نظرة سريعة للدستور.

أولا: الرئيس له موقع اعتباري وله أهمية في مجتمعنا، وهو رئيس منتخب. وأغلبية الشعب لا تلتفت للصلاحيات في الدستور بل تنظر لموقع الرئيس وكونه منتخبا باحترام.

ثانيا: الرئيس مسؤول عن الأمن والدفاع والخارجية. وهذه مجالات كبيرة جدا، وبالنظرة العصرية الجديدة فإن الدبلوماسية لها دور في جلب الاستثمارات، وبدلا من الاكتفاء بالعمل التقليدي للسفارات يجب أن يعمل الرئيس على منحها دورا اقتصاديا إضافة لخدمة الجاليات، وكما تعلم فإن الرؤساء العصريين الآن يأخذون في رحلاتهم الخارجية عددا قليلا من السفراء وعددا كبيرا من رجال الأعمال، وهذا سيكون جزءا من عمل الرئيس في الخارجية.

ثم إن هناك قوى جديدة صاعدة في العالم، مثل الصين والهند وتركيا وإيران، ويأتي هنا دور الدبلوماسية التي تتبع للرئيس بأن تنفتح على هذا العالم الجديد، لتطوير العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول.

أما الدفاع فأنا أنظر له بمفهومه الواسع، وأعتبر الجيش فعلا مؤسسة رائدة، علما بأن أكبر مراكز التكوين في تونس الآن هي تابعة للجيش، تصل إلى 27 ألف سنويا. والجيش يمكن أن يلعب دورا في الإنتاج والزراعة، وتجربته في الجنوب التونسي بالزراعة نموذج مبشر.

أضف لذلك الأمن بمعناه الشامل: الأمن الغذائي والتكنولوجي ومقاومة التدخلات الخارجية.

ثم إن الرئيس مسؤول عن المبادرة التشريعية، وهذا أمر مهم. ولكن الرئيس الباجي السبسي للأسف لم يستغل هذه المبادرة، وقدم لنا فقط 4 مشاريع قوانين: أحدها أدى لانتشار المخدرات، وآخر للإرث وأدى لتشتيت العائلة التونسية، وآخر للمصالحة مع رجال الأعمال الفاسدين، وبالمقابل لم يقدم لنا أي مبادرة تشريعية تتعلق بالنقل والصحة والتعليم والتكنولوجيا، وهذا دور يمكن أن يلعبه الرئيس.

أما بالعمل الحكومي، فإن الرئيس حسب الدستور يحق له حضور وترؤس مجلس الوزراء متى شاء، وبالتالي فهو يستطيع أن يشارك في وضع جدول أعمال الحكومة ومتابعة أعمالها.

س ـ ولكن أنت تخيف الحكومة والأحزاب بإعلانك أنك ستستخدم كل هذه الصلاحيات..

 

 ـ لا.. لن يحدث هذا.. بالعكس.. ما نريده هو التعاون والعمل معا، وليس كما كان يفعل السيد الباجي الذي جعل الشاهد ومن قبله الحبيب الصيد في الصف الرابع بروتوكوليا. رئيس الجمهورية من أولى واجباته احترام الدستور، وإذا حضر اجتماعات الحكومة فيجب أن يكون رئيس الوزراء أيضا شريكا في رئاسة الجلسة.

س ـ لكن ماذا عن موقف دول الجوار والإقليم والعالم من وصول رئيس من خلفية إسلامية؟


 ـ دول العالم وخصوصا الدول الغربية هي دول عقلانية، ولا تفكر بعقلية "الأبيض والأسود". مثلا، الاتحاد الأوروبي يجمع دولا مختلفة بينها حروب وخلافات ولغات متعددة، ومع ذلك فإنك تجد هذه الدول تتجاوز خلافاتها وتعمل بشكل مشترك لأنها تفكر بعقلانية.

ولذلك، قد يكون توجه بعض الدول ضدك ثقافيا وأيديولوجيا، ولكن إذا حسم الشعب التونسي الأمر فإنهم سيعملون مع أي رئيس ما دام يحقق المصالح المتبادلة.

نحن لا نريد صراعات مع أوروبا، ولسنا قادمين لأجل صراعات، بل نريد أن نبحث عن مصالحنا معهم. أوروبا بالنسبة لنا شريك استراتيجي، وليس لدينا نية بالتخلي عن هذه الشراكة.

نحن نريد المصلحة بالمصلحة.

مثلا مصالح فرنسا هي بالحفاظ على تونس كسوق وعلى اللغة الفرنسية في تونس، ونحن يجب أن نتعامل مع هذه المصالح بتوازن، بما يحقق مصالحنا ومصالحهم وفي نفس الوقت سيادة تونس وسيادة الشعب.

أنا متأكد أنهم سيحسبون المصالح مع أي رئيس قادم، سواء كان إسلاميا أم غير إسلامي، مع أني أرفض تسمية إسلامي من ناحية المبدأ، فنحن كلنا تونسيون.

حتى بالنسبة للجزائر، فنحن مؤمنون بأهمية أمنها والحفاظ على مصالحها لأنها مصالح مشتركة، وكذلك الأمر بالنسبة لليبيا.

أحيانا البعض يضخم دور الخارج. المرزوقي مثلا حصل على نسبة 46% من الأصوات في الرئاسيات السابقة رغم رفضه من قبل دول إقليمية.

س ـ قلت في عدة لقاءات إن دولا إقليمية مثل السعودية والإمارات تعادي التجربة التونسية.. كيف يمكن لتونس أن تتخلى عن علاقات طبيعية مع هذه الدول إذا فاز فيها رئيس "غير مرغوب به"؟


 ـ هذا الموقف المعادي هو ضد الثورة بشكل عام وليس فقط التجربة التونسية. وحتى نفهم موقف هذه الدول من الثورات فلا بد من معرفة الخلفيات الفكرية وآليات التفكير عندهم. فهؤلاء لا يمكنهم قبول فكرة الديمقراطية والمواطنة والتحرر الديمقراطي لأنها تهددهم مباشرة. وإذا كانوا يتحدثون عن الإسلام فإن ثورة الإسلام وثورة محمد صلى الله عليه وسلم هي ثورة تحرير الإنسان، وأن يكون مكرما، وخليفة لله في الأرض.

ولذلك هم يفكرون بما قبل الإسلام، يفكرون بمجتمع السيد والعبيد، ولا يقبلون بفكرة المواطنة ولا الحرية ولا بأي بناء فكري ثقافي يقوم على أن الشعوب يجب أن تختار. ولا يؤمنون بالقيم التي نؤمن بها من مثل أن الحاكم هو خادم للشعب، وشتان بين هذه القيمة وبين من يفكرون بأن الحاكم هو مالك الشعب ومالك مقدراته.

إن هؤلاء يعتبرون أن خط الدفاع عن حكمهم هو في الدول العربية الأخرى التي يمكن أن تشهد ديمقراطية، ولذلك فهم عملوا لوقف التحول في ليبيا ومصر وتونس، حماية لحكمهم. مع أننا قلنا لهم، نحن لن نأتيكم، ولن نصدر الثورة. والثورة لا يمكن لها أن تصب صبا على الشعوب.

س ـ إذا كانت هذه الدول لديها مثل هذه المعارضة الجذرية لوجود رئيس من التيار الإسلامي.. أليس من الأفضل لتونس أن لا تقدم رئيسا يواجه هذا الرفض في ظل مرحلة انتقالية صعبة؟


 ـ ومن قال إننا سنأتي لنحارب أي دولة عربية أو غربية؟ هل نحن ذهبنا للإمارات أو السعودية أم هم جاءوا للساحة التونسية للتأثير فيها، سواء كان في اعتصام الرحيل أو غيره من الأحداث؟

ثم متى ينتهي هذا المنطق؟ متى يعطوننا الضوء الأخضر ويقولوا لنا "لكم الحق الأن لتصبحوا رؤساء"؟ وبأي حق تطلب الضوء الأخضر وأنت تريد ممارسة السياسة؟ إذا كنت ستنتظر الضوء الأخضر فعليك ترك السياسة والجلوس في بيتك.. ومع ذلك فإنهم سيأتون لبيتك ويقتحمونه عليك. والسياسة هي في النهاية تدافع وهذه سنة طبيعية. والحمد لله نحن في تونس وصلنا لدرجة التدافع الراقي والذي يتيح لنا الحرية في الاختيار والانتخاب بحرية، وهناك بلدان للأسف يكون التدافع فيها يتم بالسلاح، والبعض يريدنا أن نصل لهذا لا قدر الله.

نحن نقول إنا حريصون على المصالح. ولكن المصالح ليس فقط بالدولار. أنا لن أربط المصالح فقط بالدولار.. وإذا اضطررت فأنا أفضل الانسحاب على أن أكون رئيسا تابعا.

س ـ هذا الطرح قد يراه البعض طوباويا أو أخلاقيا وغير قابل للحياة.. ما رأيك؟


 ـ وما هي السياسة إذن؟ السياسة مصالح.. أليس كذلك؟ نعم مصالح ولكن دون التخلي عن الأخلاق.. فالمشاكل السياسية لن يحلها الخضوع للشروط الخارجية.

س ـ هذه الطروحات التي تقدمها يراها البعض آراء "ثورية" في بلد انتهت فيه الثورة.. كيف يمكن طرح شعارات كهذه مع أن الثورة انتهت؟


 ـ تأكد أن الثورة لم تنته.. بل هي بدأت فقط.. ونحن نعيش مرحلة من مراحل الثورة.. فالثورات تستمر إذا استمرت مسبباتها، وأسباب الثورة مستمرة بل صارت أكثر إلحاحا. والثورة ليست دائما تعبيرا عن بطولات.. بل أيضا بالحكمة والتواضع والإنجاز.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة.. (يضحك ثم يكمل).. طبعا هم لا يريدوننا ان نستخدم الآيات، ويريدون أن نعمل رقابة على أنفسنا.

نحن لدينا موقف وليس لأحد علينا ملفات يخيفنا بها.

ونحن نؤمن أن الحياة نضال، وأن على كل شخص أن يترك بصمة، وأن لا يقبل الذل. وفي نفس الوقت لا بد أن يتحلى السياسي بالحكمة، ولذلك أنا لا ألوم "النهضة" في سياساتها التي تلتزم بالحكمة.

المهم أن يكون عند السياسي مبادئ وأخلاق.. لأن السياسة بدونهما هي ليست سياسة بل شيء آخر.. سمه ما شئت.

س ـ هل برنامجك الانتخابي وخطط تمويل الحملة جاهزة؟


 ـ لا نملك دينارا واحدا حتى الآن.. لكن توجد الأفكار والرجال. وأنا ضد فكرة أن الانتخابات تحتاج المليارات، بل إن الشعب سيحاسب من سينفق المليارات في حملاته الانتخابية.

خطتي أن تكون حملتي نضالية تطوعية تعتمد على الشباب. والأحزاب دائما تقاس بأعداد مناضليها وليس عدد منخرطيها. و"النهضة" كمثال نجحت بنضال أبنائها وليس بالأموال.. وبميزانيات محدودة.

س ـ هل تراهن على شباب "النهضة" لدعم حملتك؟


 ـ أراهن على شباب تونس عامة.. من يؤمن بالمشروع سيساهم به بوقته وماله وفكره وإعلامه. سأخوض هذه التجربة ولو بدينار.. وسأقدم برنامجي وأفكاري لشعبي.. إذا وافق عليه فهذا تحد أسأل الله أن يعينني عليه.. وإذا لم يوافق عليه "فمعذرة إلى ربكم".

س ـ وتعود إلى سوسة للتقاعد إذا لم يوافق عليه؟


ـ لا.. لدي قضايا واهتمامات كثيرة في داخل تونس والعالم..

 

إقرأ أيضا: 

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك