حجي: لسنا أمة مغيبة وتعديل الدستور يدفع بمصر للمجهول

- النظام يرى المعرفة تهديد حقيقي لمنظومة الجهل والتغييب التي كرسها

 

- حلم التغيير سيصبح واقعا لا محالة والنظام يقترب من مرحلته الأخيرة

 

- نشر الجهل والكراهية من خلال إعلام النظام أصبح صناعة مربحة اغتنى منها الكثيرون

 

- أدعو المصريين للتعامل مع انقساماتهم بقليل من الإنسانية والكثير من الرحمة

 

- حملة باطل فرصة لتوحيد القوى المدنية والديمقراطية الراغبة في التغيير

 

- السيسي كي يحقق حلمه الشخصي بالبقاء في الحكم للأبد يسحق أحلام المصريين

 

- التجاهل التام لرغبات وتطلعات المصريين سيكون له نتائج كارثية على مستقبل البلاد


دعا عالم الفضاء المصري والمستشار الرئاسي السابق، عصام حجي، جميع القوى الوطنية المصرية إلى "وقف التراشق فيما بينهم، والالتفاف حول جوهر قضية الإصلاح وليس شكلها، والاتفاق في العمل على القضايا المشتركة".

وقال إن "مصر بحاجة لمرحلة انتقالية، لتحسين الأحوال المعيشية المواطنين، ونبذ دعاوى الفرقة، وتنحية خلافات الماضي، وأنه لا يمكن أن يكون عداء وكراهية فصيل هو أساس بناء دولة مدنية وحضارية"، مضيفا:" أتمنى أن يجمعنا العقل والحكمة والعلم والمعرفة حتى لا تجمعنا السجون فقط".

ونوه حجي، في الحلقة الثانية والأخيرة من مقابلته الخاصة مع "عربي21"، إلى أن "المشهد السياسي بات مُستقطبا ومُشوها إلى أقصى درجة، وتم اختزاله في الصراع على الحكم بدلا من الحلم في غد أفضل يجمع الجميع".

وأكد أن "الجهل والكراهية أصبحا الآن صناعة بمصر، وفي بعض الأحيان عبادة يؤمن بهما البعض، بل أنه يتم تكريم البعض على هذه الصناعة التي باتت مربحة بالنسبة للنظام واغتنى منها الكثيرون".

وطالب عالم الفضاء المصري "جميع القوى الوطنية بألا تنتظر التدخل خارجي لنصرتها في معركتها ضد الظلم، ومد يد العون لبناء دولة مدنية حقيقية، لأن هذه مسؤوليتنا الوطنية قبل أن تكون مسؤولية الآخرين".

وشدّد على أن "حلم التغيير لا يزال ممكنا ومتاحا، وسيصبح قريبا واقعا لا محالة؛ فمصر ليست أمة مغيبة، ولكنها سوف تستفيق قريبا لتكتب في صفحات التاريخ أنها عادت من ظلمات الخوف لتبني عصر العلم الذي تنبأ به العالم الراحل أحمد زويل، وها نحن اليوم نرى شعوبا عربية أخرى تحقق أحلامها في السودان والجزائر وغيرهما".

وفيما يلي نص الحلقة الثانية والأخيرة من المقابلة الخاصة:

كيف ترى مطالبة السيسي الدول الغربية بالحصول على نصيب ونسبة مادية في الاختراعات والمنتجات والأفكار التي ينجح المصريين النوابغ في الخارج بابتكارها باعتبار أن هذه الكفاءات والعقول مصرية وتعلمت داخل مصر؟

هذا كلام غريب ولا أعرف كيف يكون الرد عليه، فلأول مرة أسمع عن هذه المقترحات الغريبة بهذا الشكل المرتجل، وهي تبعث برسائل خاطئة للباحثين المغتربين.

كل باحث مصري مغترب يحاول من تلقاء نفسه رد الجميل لمصر فيساعد طلاب مصريين بالداخل، ونقوم بتأهليهم وتدريبهم، ونشارك في نشر أبحاثهم بالخارج، فضلا عن أن كل منا يُلقي الكثير من المحاضرات والندوات والورش العلمية داخل مصر أو لاتحادات الطلاب المصرية بالخارج – إذا ما سمحوا لنا بذلك-.

ومن الطبيعي أن المصريين في الخارج يقوموا برد الجميل لبلدهم وأهلهم، وهو ما يحدث بالفعل، وكون السيسي لا يعلم ذلك فهذه مشكلته الخاصة التي ينبغي عليه معالجتها بالتواصل الحقيقي مع آلاف العلماء المصريين في الخارج دون تفرقة بين من يؤيده ومن يعارضه فكلاهما يسعى أن يكون جزءا من حراك يبني وطن أفضل للجميع.

 

اقرأ أيضا: 
وكيف قرأت تصريحات وزير التعليم العالي، خالد عبد الغفار، التي أكد فيها أن فرص تمويل البحث العلمي منعدمة في مصر؟

البحث العلمي هو المستقبل، فإذا انعدمت مصادر تمويله انعدمت بصيرتنا للمستقبل. الحقيقة أن العلم ليس من أولويات النظام حاليا وإنما الحديث عنه مجرد تجميل وتزيين لواقع مؤلم أكثر من محاولة إصلاحه. فهناك فرص لتمويل البحث العلمي في مصر، ولكن الأولويات ذهبت لمشروعات تبني صورة النجاح أكثر من بناء جوهره كالتفريعة الجديدة لقناة السويس، وبناء العاصمة الإدارية الجديدة، وشراء الأسلحة، وبناء متواصل للسجون، ومؤتمرات دعائية تُنفق فيها الملايين.

والحقيقة المُرة أن هذا النظام يرى المعرفة تهديد حقيقي لمنظومة الجهل والتغييب الإعلامي التي أنفق عليها بسخاء، وبتمويل خارجي، حتى تكون السجن الفكري الذي نعيش فيه جميعا بعيدا عن نور العلم والحضارة.

هل البحث العلمي يعتمد بالأساس على تمويل المستثمرين؟

الطبيعي والمُتعارف عليه في كل الدول أن البحث العلمي يعتمد بالأساس على دعم الدولة بالدرجة الأولى والمستثمرين بالدرجة الثانية، فالدولة هي الممول الأول والأهم للبحث العلمي في العديد من الدول التي أسست لقاعدة علمية حقيقية وصحيحة، حيث يتم تخصيص جزء كبير من موازنات تلك الدول دعما للبحث العلمي، وبالتالي فمثل هذا الكلام الذي يُقال لا محل له من الإعراب، لأنه تعبير عن الحالة العبثية والمؤسفة والارتجالية التي يمر بها النظام في تقرير مصير هذه الأمة.

ما مصير مشروع إنشاء وكالة الفضاء المصرية الذي قال السيسي عنه سابقا إنه يجري على قدم وساق؟

بالطبع أنا داعم لوكالة الفضاء المصرية، وهو مشروع قائم منذ عقدين من الزمان أسّس له مركز الاستشعار عن بعد والرواد الذين أسسوه وعملوا به. ومصر وأفريقيا بحاجة لإنشاء وإدارة وتطوير مثل هذه الوكالة، وأتمنى أن تكون هناك بنية تحتية حقيقية لخدمة المجتمع والبحثي العلمي.

وأتمنى كل التوفيق لجميع الزملاء العاملين في هذا المشروع الذي ساهمت فيه بشكل بسيط خلال مراحله الأولى، وسأكون سعيد جدا إذا ما تم إنشاؤه وتطويره على أسس علمية وسليمة حتى لو لم أكن مشاركا فيه أو جزءا منه بسبب الحظر المفروض على وجودي في مصر.

وأتمنى أيضا أن يرتكز المشروع على الاستثمار في العنصر البشري وليس فقط في العنصر التجهيزي. وهناك مشكلة حقيقية في هجرة العقول المدربة والمميزة التي يجب على المشروع أن يحتويها.

 


برأيك.. ما الذي تحتاجه مصر الآن؟

مصر تحتاج للكثير من الرحمة والعدل والأخلاق، حتى تجد طريقا لحوار وطني جامع يعيد لحمة المصريين، ولا يوجد أي شيء أسمه مصري خائن وعميل ومصري آخر وطني وشريف، الجميع سواسية كمصريين.

من الصعب أن توحد المصريين في صف واحد وبرؤية واحدة في وجود إعلام الكراهية وغياب دور العلم في الإصلاح المجتمعي. الواقع اليوم يجعلنا نحتاج خطوات استباقية، نتعامل فيها مع انقساماتنا بقليل من الإنسانية وشيء من الرحمة.

مصر تحتاج مشروع نهضة تعليمية وعلمية وصحية وأخلاقية على مدى السنوات القادمة، وينبغي أن تتكاتف مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع المدني في هذا الصدد، ويجب أن تُسخر لهذا المشروع الموارد والاستثمارات التي تُنفق حاليا على صفقات الأسلحة ومنظومات التجسس على الإنترنت والإتصالات. 

وأيَا كانت المعركة التي تُعد لها الدولة عليها أن تعي أنه لا نصرة لجاهل بمعركة؛ فطريق النصر هو طريق العلم وليس طريق التسلح الأجنبي. النصر ليس أن تقتل 100 عدو بمئة طلقة، ولكن أن تنهي المعركة بكلمة حق واحدة تحقن بها دماء الجميع.

وبكل أسف أصبح الجهل والكراهية بالنسبة لنا الآن صناعة، وفي بعض الأحيان عبادة يؤمن به البعض، بل أنه يتم تكريم البعض على نشر ثقافة الجهل والكره. وهذه الصناعة باتت مربحة بالنسبة للنظام، وقد أغتنى منها الكثيرون. فأصبح من الوطنية في الإعلام أن تعلن كرهك لكل المعارضة. بينما الوطنية هي تقبل الآخر وليس ثقافة الكراهية لبني وطنك أيا كانت أفكارهم.

هل لو طُلب منك القيام بدور للمساهمة في الخروج من الأزمة الراهنة.. ستقبل أم ترفض؟

أنا لن أتأخر عن القيام بأي دور أخلاقي ووطني وغير رسمي قد يُطلب مني للمساهمة في النهوض بمصرنا الحبيبة والعمل على تقدمها في كل المجالات، وخاصة التعليم والصحة اللذين هما جناحا التنمية في أي مجتمع. سأكون في الصف الثاني خلف الكثيرين ممن هم أفضل مني وأكثر رصيدا في العمل المدني.

وكيف ترى المشاركة في الحياة السياسية المصرية حاليا؟

السياسة شُوهت، كما شوّه العلم- وكل شيء- في مصر، فكما تم تسفيه العلم وتحويله إلى مجرد جهاز للكفتة بزعم علاج الإيدز أو لمادة فخرية نتفاخر بها في وسائل الإعلام دون أن نكون شركاء حقيقيين في صناعته، فالإعلام يحتفي فقط بالنجاح لكنه لا يصنعه.

ونفس الشيء يُقال عن المشهد السياسي الذي أصبح مُشوّها إلى أقصى درجة، وتم اختزاله في الصراع على الحكم بدلا من الحلم في غد أفضل يجمع الجميع، وأن التعفف عن السياسة هو تعفف عن هذا الصراع نتيجة لنبل وكرم أخلاق المتعففين، بينما أصل السياسية هو النهوض بالمستوى المعيشي والفكري للمواطن.

ولكن في الحقيقة السياسة هي النهوض بالمستوى المعيشي للمواطن وحل الأزمات سلميا، وهي تطوير المدارس والمستشفيات والطرق التي نسلكها، وفي كل يوم يسير فيه المواطن يستاء من مستوى هذه الخدمات المُقدمة عليه أن يعرف أن عدم مشاركته في الحياة السياسية التي هي جزء لا يتجزأ من هذا التدهور، وأن عدم المشاركة ليس تعففا ولكنه تخاذلا.

ونستطيع أن نرى الفرق حين يتم اختبار معرفة المصريين المقيمين في الخارج بالدستور في الدول التي يقيمون فيها، وبالخريطة السياسية الحالية والتاريخية بالدول التي يعيشون فيها كأحد شروط الحصول على الجنسية الأجنبية، وكإثبات حقيقي لروح المواطنة ويقومون بذلك بصدر رحب.

وحينما يخص الأمر الشأن المصري تجد بعضهم يقولون بكل فخر عبارة "لا علاقة لي بالسياسية"، وهي عبارة تشبه الحق، ولكن يُراد بها الباطل المؤكد، كما جاء حديث الرسول (ص): (من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم).

ما هي رؤيتكم لاصطفاف وتوحد المجتمع المدني والقوى الوطنية الساعية للتغيير؟

لا يعيبنا اختلاف الآراء، ولكن يعيبنا قلة احترامنا وتفهمنا له. لابد من وقف التراشق بين الجميع، وأن نلتف حول جوهر قضية الإصلاح وليس شكلها، وأن نتفق في العمل على القضايا المشتركة مثل النهوض بالتعليم والصحة، وأن نؤجل أي خلافات أخرى، يمكن بحثها والتوافق بشأنها في مرحلة متقدمة بعد رفع المستوى المعيشي والمعرفي للمواطن المصري الأمر الذي سيسهل حل الخلافات.

بالتأكيد سنحتاج مرحلة انتقالية لنبذ دعاوى الفرقة وتحسين أحوال المواطنين، وتوحيد الرأي حول القضايا الجوهرية، وتنحية خلافات الماضي أيا كانت سياسية أو أيدولوجية، وأتمنى أن يجمعنا العقل والحكمة والعلم والمعرفة في تلك المرحلة الضرورية التي أطالب فيها زملائي من أهل الفكر والعلم والتعليم أن يكونوا الضامن الحقيقي لنجاحها، وأن يكونوا القوة التي تنزل إلى أرض المعركة كلما ضلت القوى السياسية الطريق للتوافق والتصالح لبناء أرضية مشتركة لوطن يحفظ كرامة الجميع.

كيف ترى حملة باطل الرافضة للتعديلات الدستورية، والتي تجاوزت أكثر من نصف مليون توقيع حتى الآن؟ وما موقفك منها؟

أنا أثمّن وأرحب كثيرا بحملة باطل، وبغيرها من الحملات التي تأخذ خطوات عملية وصحيحة في الاتجاه الرامي للتغيير بكل السبل السلمية المتاحة والممكنة، فنحن جميعا مُطالبون بالعمل والحركة وفق ما هو متاح لكل شخص منا، ووفقا لقدراتنا المختلفة، لأن الصمت واليأس والسكون الآن لن يغير الأوضاع القائمة على الإطلاق، بل سيدعم ويعضد بقائها أكثر فأكثر، وسيؤدي لتفاقم الأزمات بشكل أكبر وأخطر، وهو ما قد يهدد مستقبل ومصير الدولة المصرية بأكملها، وبالتالي علينا جميعا التحرك في كل المسارات، حتى لو كانت بسيطة وغير سريعة النتائج.

وقد شاركت بالفعل في حملة باطل، وأدليت بصوتي في "الاستفتاء الحر" على الموقع الإلكتروني للحملة، لأنني أرى أن المشاركة في هذه الحملة هو الطريق الوحيد الذي أصبح متاحا للناس بشكل آمن للتعبير بشكل سلمي وحضاري عن اعتراضهم على تلك التعديلات الدستور التي ستكون تداعياتها خطيرة دافعة بمصر للمجهول.

وأهم ما يميز حملة باطل أنها عمل رمزي بسيط يمكن لكل المصريين المشاركة فيه بكل بساطة ودون أي عقبات أو خوف، ولا نقول إن هذه الحملة ستسقط النظام مهما جمعنا من توقيعات، لكنها ستكون تجسيد رمزي لرغبة المصريين في التغيير المنشود وإعلان حقيقي لتمكسهم بالأمل والحلم، وهو ما سيعيد الثقة لنا في أنفسنا، وأراها حملة تعطي شعاع أمل وتفتح طاقة نور لكل المصريين، وتدعو للالتفاف حول مطالب واحدة وتعظيم المساحات المشتركات بين مختلف التيارات والأطياف المجتمعية والسياسية.

وحملة باطل لا تدعو فقط لمواجهة تعديل الدستور فقط، بل للتصدي للاختراق الأخلاقي والإنساني الذي يسعى إليه حاكم يريد البقاء في السلطة مدى الحياة دون أي مشروع تنموي حقيقي، وذلك من أجل تحقيق حلمه الشخصي ساحقا حلم أكثر من 100 مليون مصري في الداخل والخارج يريدون الحد الأدنى من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي عجز النظام عن توفيرها، فضلا عن أن هذا الحاكم تجاهل تماما أحلام المصريين منشغلا بتحقيق أحلام حلفاءه في توسعة هيمنتهم ونفوذهم الممتد داخل مصر وفي المنطقة، ولكي يكون رجلهم الأول في تنفيذ كل ما تشتهيه نفوسهم للعظمة الزائفة دون أن تكون لديه أي نية ليصبح رجل المصريين الأول.

وأنا هنا أدعو جميع المصريين على اختلاف أطيافهم سواء المؤيدين للتصويت بـ(لا) أو المؤيدين للمقاطعة، سواء داخل مصر أو خارجها، إلى المشاركة بكثافة في حملة باطل لنبعث برسالة للداخل والخارج أننا رافضون تماما للمسار الذي تتجه إليه البلاد، وليصل صوتنا للعالم أجمع بأننا لن نتخلى مهما حدث عن حلم وأمل التغيير.

وأود أن أؤكد على ما قاله صديقي الفنان عمرو واكد عبر "عربي21" بأن الحملة تتسع للجميع، ولا تتبنى موقفا بعينة من الاستفتاء على تعديل الدستور، فهي لا تطلب من أحد مقاطعة الاستفتاء أو التصويت بـ(لا)، بل إنها تدعو الجميع، سواء هذا الطرف أو ذاك، إلى رفض تلك التعديلات، مع التصدي لها بكل الطرق السلمية المتاحة، وبالتالي فهي تتسع للجميع وملك للجميع، والمشاركة في حملة لا تمنع أي أحد من النزول والتصويت بـ (لا) أو المقاطعة.

وهل أنت تؤيد المشاركة والتصويت بـ"لا" أم ترى وجوب مقاطعة الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟

أنا شخصيا مع الذهاب إلى صناديق الاقتراع والتعبير عن الموقف والرأي بشكل واضح، وإن كان لديّ –كما لدى الكثير من المصريين- مخاوف نتيجة تراث كبير من فقدان المصداقية والنزاهة والشفافية في صناديق الانتخابات، نتيجة ممارسات عديدة يعرفها الجميع، لكن التوجه الرئيسي لديّ هو أن يحرص كل مواطن على ممارسة حقه الدستوري حتى لو كانت هناك مخاطر قد تمس هذا الحق، فالمساس بالحق أفضل من إسقاط هذا الحق بعدم ممارسته.

وفي ظل هذه الشكوك الواسعة وفي ظل آراء تتبنى المشاركة بـ (لا) وآراء أخرى تتبنى المقاطعة أعتقد أن الحملة الشعبية التي انطلقت منذ أيام وحققت نتائج ملموسة حتى الآن، وأنا لست جزءا منها ولست أحد القائمين عليها، لكني أدعو لمشاركة المصريين سواء الذين سيذهبوا إلى صناديق الاقتراع والتصويت بـ (لا) لتعديل الدستور أو سيقاطعون الاستفتاء أدعوهم جميعا لممارسة حقهم عبر هذه الحملة، كي يعرف الرأي العام الداخلي والخارجي حجم الرفض لهذه التعديلات وحجم التهديد الذي تمثله لمسار الحياة الديمقراطية في مصر.

وأؤكد أيضا أنني كباحث علمي وكمصري ولست كناشط سياسي أؤمن تماما أن السبيل الوحيد لإصلاح الأوضاع في مصر هو العودة لمسار ديمقراطي يتم فيه الاحتكام لأصوات وآراء الناس ويحترم إرادة وخيارات وموقف الشعب ولا يفرض أبدا على المصريين من يحكمهم أو من يمثلهم لان هذه الحالة القهرية تجعل مصر دولة غير قابلة للتطوير الفكري والمجتمعي الذي نصبوا إليه.

وكيف ترى هجوم النظام وإعلامه على حملة "باطل"؟

الهجوم على الحملة ليس خوفا من نتائجها، فالحملة لن تسقط النظام، لكنها تعطي مؤشرا أن المصريين بدأوا في التوحد، والنظام يخشى كثيرا من هذه الوحدة، وبالتالي فهم يقاتلون من أجل إجهاض ووأد الحملة في مهدها، لكني اعتقد وعي الشباب والقائمين على الحملة من كل الاتجاهات السياسية أكبر من قدرة النظام على ملاحقة وإجهاض هذه الحملة منذ البداية وحتى الآن.

وهدف الحملة ليس إشاعة الفوضى ولا تحدي منظومة التصويت –كما يدعي إعلام النظام- بل هي متنفس متاح لكل المعنيين بمصير هذه الأمة، لأن كل أبواب التعبير عن هذا الرفض لتلك التعديات اللادستورية أُغلقت تماما أمام عشرات الملايين من المصريين، فلا الإعلام يسمح للناس بالتعبير عن آرائهم، ولا الأمن يسمح بأي ندوة او مؤتمر أو وقفة احتجاجية للتعبير عن تطلعات الشعب، وبالتالي أصبحت حملة باطل هي المتنفس الوحيد بدلا عن الانفجار المتوقع. واستمرار حجب منصات الحملة هي دعوة من النظام للانفجار بينما الحملة ليست هي الدعوة للفوضى والانفجار.

 

ما هي دلالة جمع حملة باطل أكثر من نصف مليون توقيع من المصريين الرافضين لتعديل الدستور خلال أيام قليلة؟

 
حملة باطل التي تخطت اليوم نصف مليون توقيع مصري في الداخل والخارج خلال أيام قليلة رغم الحجب شبه الدائم من قبل النظام لمواقع التصويت الخاصة بالحملة، هذا أمر له دلالة هامة بأن هناك رغبة ملموسة لدى المصريين في التغيير.


هي حملة كاشفة لحجم الغضب الذي يشعر به المواطن المصري من الأوضاع بشكل عام ومن التعديلات الدستورية بشكل خاص، وتعكس مدى خوف النظام من أي عمل يجمع المصريين على اختلاف أطيافهم واتجاهاتهم، وتعيد رسم الصورة الحقيقية للقوى الوطنية، والتي ينبغي أن تكون عليها دائما، وهذه هي الصورة التي قد توحي بقرب نجاح الأمل في التغيير.


وكيف تنظر لمن يريد أن ينأى بنفسه عن المشهد ويبتعد تماما عن الأحداث في مصر؟


أثبتت الأيام أن الصمت والابتعاد عن المشهد السياسي ما هو إلا إعطاء مساحة أكبر للظلم والفقر والجهل والافتراء والتشويه والتضليل، فالنظام لم يترك أي أحد إلا وحاول النيل منه بشكل أو بآخر حتى الذين نأوا بأنفسهم عن اتخاذ أي موقف أو أن يكون لهم ظهور في المشهد بأي صورة، فالنظام لم يواجه هذا إلا بالمزيد من العنف والافتراء والتشويه والإهانة، وهكذا لم يصبح أمام الجميع سوى المشاركة سواء مشاركة فاعلة أو داعمة لأي حراك احتجاجي سلمي.


وأؤكد أنه لم يصبح هناك بديل إلا المشاركة في الحراك الموجود حاليا حتى لو لم يكن هذا الحراك يمثل الرؤية الكاملة لكل شخص فينا، وحتى لو كانت لدينا ثمة ملاحظات أو تحفظات على هذا الحراك، لكنه على الأقل يعبر عن نيتنا المخلصة والصادقة في السعي للتغيير للأفضل. وحتى تلك النية يسعى النظام لمصادرتها وحجبها والتنكيل بها بكل الأساليب التي يمكنه فعلها. ومثلما دعمت من قبل حملة "اطمن انت مش لوحدك" أدعم اليوم حملة باطل، وسأدعم أي عمل يصب في صالح الشعب والوطن.


كما أدعو للابتعاد عن سياسة التزام الصمت المطبق التي تتبعها بعض الشعوب في تقرير مصائرها، لأن هذا لم ولن يجدي بأي صورة من الصور، ولا مفر أمامنا إلا أن نكون فاعلين ومؤثرين في المشهد وتطوراته.


والمشاركة في حملة باطل هو خروج من حالة الصمت السلبي إلى مشاركة إيجابية وسلمية، وأنا أدين ما تقوم به الأجهزة الحكومية من حجب مستمر ودائم لموقع الحملة بدلا من أن تقوم بحجب الإساءات التي يتفوه بها إعلاميو السلطة ضد المصريين وضد رموز الثورة وضد العلماء والمفكرين والفنانين والأدباء، وبدلا من أن تتصدى لما يمكن أن يسيء للدولة المصرية تفعل هي كل ما يشوه صورة البلد.


ما تقيمكم موقف المجتمع الدولي من الأزمة المصرية الآن؟ وهل قد يتخلى الغرب عن دعم الانظمة المستبدة في مرحلة ما؟


العالم لا يتحرك بشكل فوري لنصرة الحق أو الخير أو القضايا العادلة للشعوب، كما نظن، لأن هذا ببساطة ليس دوره في الأساس، ولأن العدالة ليست منظومة أوتوماتيكية في الأصل بل تحتاج لأدوات كثيرة. ولماذا تنتظر أن يقاتل الآخر بالنيابة عنك؟، بل يجب علينا أن نخوض ونقاتل معركتنا بنفسنا دون أن نحمل الآخرين أخطاءنا. لهم بالتأكيد مسؤولية في دعمهم المفرط للأنظمة المستبدة، ولكن لنا المسؤولية الأكبر في خلقها وقبولها بالأساس.


كما أنني أرى أن ليس بالضرورة للغرب ازدواجية في المعايير بالنسبة لملف حقوق الإنسان، كما يرى البعض، لكن مع الأسف هناك العديد من القادة المتطرفين الذين يملكون زمام الأمور في الوقت الحالي، والذين لا يرون أننا أناس أصلا نستحق هذه الحقوق الآدمية، وكيف لا ولم تمر أي زيارة لرئيس أجنبي لمصر دون أن يعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي ذلك بنفسه. هذه محزن ومؤسف.


لذلك، لا يجب أن نبني مصيرنا في انتظار تحرك أو تعاطف من القوى الخارجية أو المجتمع الدولي، بل يجب أن يكون هذا التعاطف والتحرك والعمل مشترك فيما بيننا جميعا كمصريين لإيجاد حلول بأنفسنا ولأنفسنا بالدرجة الأولى.


لذا، لا يجب الغضب أو التحسر أو الإحباط من المواقف الخارجية، فالمجتمع الدولي لا يتدخل الآن في مصر، لأنه لم يعد هناك أي جديد بمصر التي يرى أنها عادت إلى سيرتها الأولى، لتصبح شبيهة بالعديد من الديكتاتوريات الأفريقية والعربية، والمُتعارف عليها منذ زمن طويل فقد عدنا إلى الصورة التي أعتاد عليها العديد من القادة الغربيون، بل وأسّسوا لها في بعض الأحيان، والتي يسهُل عليهم التعامل معها، وهم أكثر فهما لها من صورة الحرية التي نطمح إليها، والتي لا يعرف بأي شكل ستكون، وهذا قد يكون سبب قلقهم الأساسي من دعم قوى التغيير في نظري.


فمع الأسف الصورة التي أوردتها الأنظمة الظالمة في الوطن العربي بأن شعوب المنطقة مجموعة من الغوغاء والرعاع لا يمكن حكمهم إلا بالقوة، ولا تخاف الشعوب العربية إلا بطش الحاكم، ينبغي العمل على تغييرها بكل السبل الممكنة والمتاحة، وسيكون للتعليم الدور الأساسي في تغيير هذه الصور النمطية امام المجتمعات الغربية.


وتطوير مدارسنا وجامعتنا أمر سيكون قادر على تحسين جوهرنا وصورتنا معا أكثر من كل الفاعليات والمؤتمرات الدعائية للنظام التي نغالط فيها أنفسنا ونتصور أننا قادرون على مغالطة الآخرين بصورة غير حقيقية لواقعنا.


ومن هذا المنطلق، على المجتمع المدني ألا ينتظر الكثير من التدخل الخارجي لبناء دولة مدنية حقيقية، لأن هذه مسؤوليتنا الوطنية قبل أن تكون مسؤوليتهم.


من وجهة نظرك: ما هي فرص تحقق حلم التغيير في مصر؟


حلم التغيير لايزال ممكنا ومتاحا، وحتما سيتحقق يوما ما، ويقترب منا رويدا رويدا، وسيصبح قريبا واقعا لا محالة، وها نحن اليوم نرى شعوب عربية أخرى تحقق أحلامها في السودان والجزائر وغيرهم.


محاولات النظام الدؤوبة لسد كل الأبواب وغلق كل نوافذ الحرية والديمقراطية، يؤكد تماما أن النظام خائف ومرتبك في داخله، وأن القلق لديه من حلم التغيير هو سيد الموقف، إلا أن النظام يقترب من مرحلته الأخيرة بالفعل بعدائه البيّن للعلم والتعليم، وهو من سيكتب مشهد النهاية بيديه.


ولذلك، يحاول النظام وضع المزيد من المتاريس التي يعتقد أنها قد تحول بينه وبين الشعب، وعلى رأس تلك المتاريس التعديلات الدستورية ليؤمم بها حكمه واستمرار بقائه في السلطة، وفرض المزيد من الهيمنة على مقاليد الحكم، وعسكرة المجتمع والحياة السياسية، واغتصاب وسحق ما تبقى من استقلال القضاء.


ولكن مصر ليست أمة مغيبة وسوف تستفيق قريبا لتكتب في صفحات التاريخ أنها عادت من ظلمات الخوف لتبني عصر العلم الذي تنبأ به العالم المصري الراحل أحمد زويل.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك