هل تؤثر الانتخابات المحلية على سيرورة قيام تركيا الجديدة؟

طرحت العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول تأثير الانتخابات المحلية الأخيرة على سيرورة قيام تركيا الجديدة، التي انطلقت منذ عقدين تقريباً، تحديداً منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في العام 2002، ربما حتى قبل ذلك مع رئيس الوزراء ثم الرئيس تورجوت أوزال؛ الذي وضع اللبنات الأسس الأولى لها.

اعتقدت دائماً وكتبت هنا مراراً أن نتائج الانتخابات على أهميتها لها دلالات وليس تداعيات سياسية، بمعنى أنها رغم طابعها المحلي الجهوي، إلا أنها تقدم فكرة عن أحجام القوى والتوازنات السياسية الحزبية في البلد. وهي لم ولن تؤدي إلى تداعيات سياسية جذرية، خاصة بعد التحول الى النظام الرئاسى، بمعنى إحداث هزة سياسية أو استقالة الحكومة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة برلمانية ورئاسية.

كذلك قبل الإجابة عن السؤال عنوان المقال، لا بد من تعريف وتوصيف مصطلح تركيا الجديدة التي انطلقت سيرورة قيامها (كما قلنا) مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة منذ عقدين تقريباً، بعدما كان الرئيس أوزال قد وضع لبناتها وأسسها الأولى فى ثمانينيات القرن الماضي.

تركيا الجديدة قامت على أسس قواعد، وليس أنقاض تركيا القديمة، مع تحديث أو تطوير طبعاً، فهي مدنية ديموقراطية علمانية، لا مكان فيها لوصاية العسكر على الحياة السياسية، كما لا إقصاء فيها لأي من المكونات السياسية والحزبية والفكرية والثقافية في المجتمع. تركيا الجديدة تتضمن الحريات كافة، بتجلياتها وأبعادها المختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والدينية. وتركيا الجديدة هي قوة سياسية ذات حضور نفوذ إقليمي ودولي، ولم تعد مخلب قط أو إداة وذراع لهذه الجهة أو تلك.. هي قوة اقتصادية ناهضة أيضاً، تحتل المكان الـ16 على مستوى العالم، وثمة مساع وجهود وخطط كي تصبح من القوى العشر الكبرى في العام 2023، أي في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التي يفترض أن تكتمل عندها تماماً سيرورة قيام تركيا الجديدة.

في الدلالات السياسية للانتخابات، يمكن الحديث عن تراجع لحزب العدالة والتنمية، لكنه ما زال الأكبر حزبياً، كما أنه الأكبر على المستوى الوطني العام بتحالفه مع حزب الحركة القومية، بالتالي فإن مكانة الحزب الذي قاد ويقود سيرورة قيام تركيا لم تتزعزع، فهو ما زال الأقوى والأهم، وسيطرته وهيمنته السياسية على مقاليد السلطة والقرار في البلد ما زالت كما هي، ولم تتأثر بنتائج الانتخابات.

القائد الزعيم السياسي الذي قاد سيرورة قيام تركيا الجديدة، وهو الرئيس أردوغان، ما زال يتمتع بشعبية كبيرة، ومكانة راسخة دستورياً ديمقراطياً وسياسياً، كما ما زال يمتلك التفويض اللازم للمضي قدماً في سياساته التي تدعمها أغلبية وطنية راسخة، حتى مع بعض التحفظات والاعتراضات هنا وهناك.

وعلى عكس ما يتصور ويعتقد كثيرون، فإن نتائج الانتخابات نفسها أثبتت أن تركيا الجديدة حقيقة لا شك لا جدال فيها، حيث أن المعارضة نفسها باتت تقبل أسسها وقواعدها، وتقر برفض وصاية العسكر، وتقبل التعايش وترفض أي إقصاء سياسي أو فكري أو ثقافي أو ديني. لا شيء يعبر عن ذلك أكثر من التحالف المعلن مع حزب السعادة الإسلامي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وحتى جزئياً على المستوى المحلي، كما الحملة الانتخابية لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو لبلدية إسطنبول الكبرى، الذي تضمنت حملته الانتخابية صورا له مع كافة شرائح وفئات المجتمع، وهو نفسه الذي رتّل بصوته آيات من القرآن الكريم في مسجد السلطان أيوب (على أرواح شهداء مجزرة نيوزيلندا) رغم أن الرئيس أردوغان نفسه كان قد اعتقل زمن تركيا القديمة (الأتاتوركية) لأنه ردّد أبياتا من الشعر تتحدث عن المساجد ومكانتها في المجتمع.

المعارضة تقر إذن بتركيا الجديدة كحقيقة واقعة، وأصبحت تتصرف على هذا الأساس، وانفتحت على الشرائح المتدينة المحافظة. يمكن متابعة ليس فقط لافتات إكرام أوغلو على طرقات إسطنبول التي تضم محجبات وملتحين، إنما وسائل إعلام المعارضة أو المقربة منها التي تحتفل بالمناسبات الدينية الإسلامية على نطاق واسع ومكثف، وتتنافس في  تغطيتها واحتفالاتها مع القنوات المؤيدة المعبرة عن تركيا الجديدة التي رافقت تأسيسها وانطلقت معها.

ورغم الاستقطاب السياسي، إلا أن أسس تركيا الجديدة نفسها باتت محل إجماع خارج النقاش، فلا أحد يتحدث أو حتى يفكر بالحديث مثلاً عن منع الحجاب أو منع المظاهر الدينية (محرّم إينجي قال إن أمه محجبة وأنه يصلي الجمعة بانتظام)، أو منع ذوي الخلفيات الثقافية الفكرية الإسلامية من ممارسة العمل السياسي، أو حتى يدعو لعودة وصاية العسكر على الحياة السياسية. ودستورياً، فإن التعديلات والأسس الدستورية لتركيا الجديدة التى رسخت في استفتاء 2010 باتت (بعد مماطلة) محل إجماع، وقاعدة للعمل بين مختلف الأطياف والفرقاء السياسيين.

هذا لا ينفي طبعاً أن ثمة خلافا عميقا حول النظام الرئاسي ومدى حاجة البلد له، عموماً هو ليس من أسس تركيا الجديدة، خاصة مع معارضة فئات وشخصيات معتبرة من مؤسسي وقيادات حزب العدالة والتنمية له، وسيكون في المستقبل نقاش مستفيض حول هذه النقطة، وربما تتم العودة إلى النظام البرلماني، لكن دائماً على قواعد وأسس تركيا الجديدة.

ثمة خلاف سياسي طبعاً حول السياسة الخارجية والانفتاح تجاه الشرق، رغم التوافق طبعاً على الدفاع عن المصالح القومية. الخلاف هنا يحمل أبعادا فكرية، رغم أن حزب العدالة نفسه يقول إن الانفتاح على الشرق لا يعني أبداً القطيعة مع الغرب، ويعتبر الانضمام للاتحاد الأوروبي هدفا استراتيجياً، رغم تزايد قوة ونفوذ اليمين المتطرف المعادي لتركيا تاريخاً وثقافة. 

كما أن ثمة علاقات وأبعادا سياسية وجيوسياسية واقتصادية مع المشرق لا يمكن تجاهلها من أي جهة، سياسية أو حزبية تركية، الأهم أن أي حكومة منتخبة تحرص على حفظ مصالح الشعب الذي ستخضع للامتحان أمامه، ستكون حريصة على  تنفيذ سياسات تتلاءم مع رغباته ومصالحه، دون التخلي عن النسق السيادي، أو الخضوع والاستسلام للقوى الخارجية، في ظل الحس الاستقلالي الوطني العالي للشعب التركي.

أخيرا وباختصار، فإن سيرورة قيام تركيا الجديدة ستستمر مع بقاء الرئيس أردوغان وحزب العدالة في السلطة لأربع سنوات قادمة على الأقل، هي باتت حقيقة واقعة لا يمكن نكرانها أو تجاهلها، كما اتضح من الحملة الانتخابية لمرشح المعارضة محرم إينجي في الانتخابات الرئاسية الصيف الماضي، وإكرام أوغلو في حملة التنافس على رئاسة بلدية إسطنبول، المدينة التي تعبر بالتأكيد عن الوطن بكل أطيافه، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية المختلفة.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك