جيلاتين الخنزير حلال أم حرام؟!

بين الحين والآخر، يثار موضوع وجود مواد غذائية تصنع من مادة الجيلاتين كالبقر أو الخنزير، ولا مشكلة في أن تكون المادة مصنوعة من جيلاتين حيوان حلال المأكل، لكن المشكلة تثار عندما يطرح في مواقع التواصل الاجتماعي، أو السوشيال ميديا، أن المنتج الفلاني يضاف إليه، أو يصنع من مادة (جيلاتين) الخنزير، وأول ما يأتي في أذهان الناس: كلمة (خنزير)، فتلقائيا يأتي إلى ذهنية المسلم التحريم، فالخنزير حرام أكله، وهنا خلط كبير علمي وفقهي، رأيت من الأمانة العلمية، وواجب العلم، أن نبينه ونوضحه للناس حول استخدام جيلاتين الخنزير في الأغذية.

الجيلاتين هو: مادة بروتينية تشبه بروتين الدم (الهيموجلبين) والإنسولين، وبروتين البيض، تستخرج من التحليل الجزيئي للكولاجين الصادر من الجلود والأربطة العضلية للحيوانات، أو من مادة العظمين الموجودة في العظام. ومن خواصها: أنها تذوب في الماء. ومصدر إنتاجها: عظام الخنزير والبقر غالبا.

مجالات استعمال الجيلاتين في الطعام والدواء:

بما أن الجيلاتين يقوم بوظائف متعددة في الأطعمة التي يضاف إليها، حيث إنه يعطي القوام المتماسك ولذا يدخل في الأطعمة مثل: عجائن المضغ كالعلك، والكراميل، والحلويات الرخوة. ويكسف الرغوة للمواد المخفوقة كالقشدة والمثلوجات كالأيس كريم، وأقوات المرضى الذين أجريهم لهم جراحة في القناة الهضمية، أو المصابين بقرحة في المعدة، أو الأثنا عشري.

وفي مجال الأدوية فيما يلي:

تحضير كبسولات الدواء القاسية أو اللدنة والكبسولات الدوائية الدقيقة. وإنتاج أقراص المص القاسية أو الطرية المحملة بفيتامينات ومواد علاجية أخرى. وإنتاج الأقراص أو الملبسات الدوائية. ويستعمل كبديل أو موسِّع للبلازما (للاستخدام عند الحاجة إلى تعويض حجم الدم الناقص). وكموقف لنزف الدم في الأعمال الجراحية، وكمضاد للتهيج في الحروق وغيرها من إصابات الجلد. ويستعمل في تحضير التحاميل (اللبوس) الشرجية والمهبلية، لأنه يذوب بفعل حرارة الجسم.

هل يظل جيلاتين الخنزير على حالته؟

وهو سؤال مهم، كي نجيب عن حل أو حرمة استخدام جيلاتين الخنزير في كل ما سبق أنه يدخل في تركيبته، الجيلاتين عند استعماله في هذه الأطعمة والأدوية، لا يظل على حالته، بل يتعرض لعملية تحول لمركب آخر، وهناك خلاف كيميائي علمي في الموضوع، هل يتحول تحولا كاملا، أم تحولا جزئيا؟ معظم الأبحاث تشير إلى تحوله كاملا، وقليل منها يشير إلى التحول الجزئي. لكن الأشهر والأغلب حاليا: أنه يتحول بشكل كلي، أو أقرب إلى الكلي.

حلال أم حرام؟

بعد هذا المرور السريع على استخدامات جيلاتين الخنزير، وتوفر المعلومات ـ حتى الآن ـ بتحوله إلى مادة أخرى، هنا يأتي دور الفقه الإسلامي، ليقول رأيه فيه، وهو موضوع موجود في الفقه تحت عنوان: الاستحالة، يعني تحول مادة أصلها حلال لحرام، أو حرام لحلال، فيرى كثير من الفقهاء أن الاستحالة تحكم بطهارة المادة التي تحولت، وبالتالي يحل أكلها واستخدامها، ومنها: جيلاتين الخنزير، ورأى فريق آخر بأن الاستحالة لا تطهر.
 
من قالوا: حلال؟

وممن قال بالطهارة بعد الاستحالة: الأحناف، وقول للمالكية، والظاهرية، وقول للحنابلة، ووجه للشافعية، واختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ونسب شيخ الإسلام هذا القول للجمهور. انظر: (أحكام التداوي بالمحرمات الحسية) للدكتور أحمد الخليل ص: 33. وهو رأي الشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية. انظر: أبحاث اجتهادية في نوازل عصرية للدكتور قطب الريسوني ص: 113،112. وهو ما رجحه كثير من المجالس الفقهية وعدد من الفقهاء العاصرين: أنها طاهرة، وحلال التناول غذاء ودواء.

على رأس هؤلاء: المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. انظر: القرارات والفتاوى الصادرة عن المجلس ص: 236،235. المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت في ندوتها الفقهية الثامنة أيار (مايو) 1995م. وهيئة كبار العلماء بالسعودية في بحث بعنوان: حكم استحالة النجس إلى طاهر. انظر: مجلة البحوث الإسلامية العدد (17) ص: 15-40. والعلامة د. يوسف القرضاوي في كتابه (فتاوى معاصرة) الجزء الثالث ص: 658. والعلامة محمد تقي العثماني في كتابه: (بحوث في قضايا فقهية معاصرة) الجزء الأول ص: 327. والدكتور وهبة الزحيلي في كتابه: (الفقه الإسلامي وأدلته) الجزء السابع ص: 5265. د. محمد الهواري رحمه الله في كتابه: (الطعام والشراب الحلال والحرام) ص: 9. د. علي القره داغي في بحثه: (أثر الاستحالة والاستهلاك والتسمية في الأطعمة والأشربة، والأدوية فيما يخص مسلمي أوروبا) المنشور في المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء عدد(21) ص: 47. والدكتور نزيه حماد في كتابه (المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء) ص: 73. والدكتور طه جابر العلواني والشيخ فيصل مولوي والدكتور محمد سيد طنطاوي. انظر: بحث (استهلاك الأعيان النجسة واستحالتها في التصنيع الغذائي) د. باحمد بن محمد رفيس. المنشور في المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء العدد (21) ص: 165. والدكتور قطب الريسوني في كتابه: (أبحاث اجتهادية في نوازل عصرية) ص: 115 وما بعدها. وله بحث مهم في هذا الكتاب في الموضوع من أهم ما كتب. وآخرون كثر أجازوا.

وممن قالوا بجواز حل استخدام عظام الخنزير والجيلاتين، حتى لو لم يتحول، الإمام داود الظاهري، والإمام الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (6/90).

أدلة جواز جيلاتين الخنزير المتحول:

أما أدلة من يجيز، فيعتمد على عدة أدلة مهمة أهمها:

أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبش قبور المشركين في مسجده، ولم ينقل التراب. وهو دليل استدل به الإمام ابن القيم.


ثانيا: أن الأصل في كل متحول: الطهارة والحل، ولا نص على تحريمها، فيتناولها حكم الطيبات التي امتن الله على عباده بتحليلها في قوله: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) البقرة: 168.

ثالثا: أن النظر لا يكون لأصل الشيء، بل يكون لحالته التي تحكم فيها، فمثلا: الخمر كان عنبا، فأصبح حراما، رغم أن أصله حلال، ولو تحول الحرام (الخمر) لخل، لصار حلالا باتفاق، إذا تحول وحده، وإذا تحول بفعل الإنسان، فموضع خلاف والراجح أنه حلال، فهذا النموذج أوضح أنه يمكن أن يتحول الحلال لحرام، والحرام لحلال. ونفس النموذج الخنزير، فلو أن خنزيرا سقط في (ملاحة)، بحر من الملح، فتحول الخنزير بعامل الزمن لملح، ما حكم هذا الملح، وهل نقول عنه خنزير مملح، أم ملح؟ إن الناظر إليه سيقول ملح، وأخذ حكما آخر هو حكم الملح، سواء كان أصله خنزيرا، أم أصله ميتة تحولت لملح، وذكر الفقهاء مثالا مهما لذلك، وهو الزرع الذي يسقى بالماء النجس، هل يحكم بنجاسة الزرع؟ إنه يحكم بطهارته، وحل استخدامه طعاما.

إضافة إلى أدلة أخرى، لا يتسع المقام لذكرها، تدل على جواز وحل استخدام جيلاتين الخنزير بعد تحوله، وهو باب كبير في الفقه الإسلامي يستطيع من يريد البحث فيه أن يطلع على موضوع: الاستحالة، والاستهلاك. يجد فيه نقاشا ثريا ومهما لدى الفقهاء القدامى، وعند المعاصرين كذلك، وما قمت به في هذا المقال هو إعادة عرض وقراءة لما كتبه علماؤنا القدامى والمعاصرين في الموضوع.

هذا عن جيلاتين الخنزير، وهناك استخدامات أخرى للخنزير كدهنه وشعره، حيث إنها تدخل في كثير من مواد التنظيف والتجميل، والتداوي، مما يستخدم بشكل كبير في حياتنا. نوضح حكمها في مقال قادم إن شاء الله.

[email protected]

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك