أكاديمي مغربي: هذه قصة إجهاض أول مشروع لتعريب التعليم

أثير في الآونة الأخيرة جدل كبير في المغرب حول لغة التدريس، وهناك اليوم نقاش كبير داخل المؤسسة التشريعية حول مشروع القانون، الإطار الذي سينظم عملية إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وثمة قضية أثارت كثيرا من الجدل تتعلق بلغة التدريس. 

الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم تقترح مبدأ التناوب اللغوي في تدريس المواد العلمية، وتعتبر أن اللغة العربية هي اللغة الأساسية للتدريس في هذه المواد، وتقترح في إطار التناوب اللغوي تدريس بعض المجزوءات أو المضامين في المواد العلمية باللغات الأجنبية. 

واليوم ثمة وجهتا نظر في الموضوع، وجهة نظر ترى أنه لا يجب التخلي عن تدريس المواد العلمية باللغة العربية، ويمكن مسايرة ما طرحته الرؤية الاستراتيجية من تدريس بعض المجزوءات وبعض المضامين بلغة أجنبية. والمقصود هنا لغة أجنبية هكذا بشكل مفتوح وليس اللغة الفرنسية فقط. 

وهناك وجهة نظر أخرى، تقول إن الفشل الذي أصاب منظومة التربية والتكوين في المغرب سببه هو قرار تعريب التعليم، وأنه إذا أردنا أن نخرج جيلا من المتحكمين في اللغات ألأجنبية، ومن الذين يستطيعون الالتحاق بسلاسة إلى سوق الشغل، لا بد من فرنسة المواد العلمية. 

لمناقشة هذا الموضوع، وللحفر في جذوره وأصوله، وللنظر في السياسات الفرنكفونية في المغرب، وأيضا لتتبع مسار تعريب التعليم في المغرب، ومآله، وأهم الملاحظات التي كانت عليه آنذاك، نستضيف الأستاذ محمد بلبشير الحسني، أحد الرموز الوطنية الكبيرة، الذي خبر دهاليز الإدارة في مجال التعليم، وتولى مسؤوليات كثيرة في هذا القطاع، وكان له الفضل في بلورة عدد من المشاريع الإصلاحية في قطاع التعليم، بل كان له الفضل الأكبر في تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية وتعميمها في مختلف كليات الآداب والعلوم الإنسانية بالمغرب.

 




س ـ أستاذ محمد بلبشير الحسني، بعد الاستقلال عينتم نائبا لعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وكلفتم بصياغة رؤية لإصلاح التعليم، وحسب ما أفدتم في عدة إفادات، أنكم قمتم ببلورة هذا المشروع، وكان على رأس أولوياته قضية التعريب، لكن، للأسف تم إجهاض هذه التجربة، وبشكل خاص تعريب التعليم، هل يمكنكم أن تقدموا لنا إضاءات حول هذا المشروع، وحول خلفيات إجهاضه؟


 ـ  لما استقل المغرب، كانت البداية بوضع خطة أو خارطة الطريق التي ينبغي أن يسير عليها التعليم في المغرب بعد الاستقلال، فشكلت لجنة، كانت تسمى اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، وكان يرأسها جلالة الملك محمد الخامس بنفسه. هذه اللجنة اتخذت قرار مُهما، وهو ما هي المبادئ التي ينبغي أن يرتكز عليها التعليم مستقبلا؟ فتم تحديد أربعة مبادئ، هي التعريب، التعميم، والمغربة والتوحيد، وأضيف إليها مجانية التعليم.

س ـ هذه إذن هي المبادئ المبكرة جدا التي وضعت لإصلاح التعليم؟


 ـ هذه هي الاستراتيجية التي وضعها الملك محمد الخامس بنفسه باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم. بعدها، عين الأستاذ محمد الفاسي وزيرا للتربية الوطنية، وكان أول وزير يعين في هذا القطاع بعد الاستقلال، فكان في حيرة من أمره بخصوص أسلوب تنزيل هذه المبادئ الأربعة، ومن أين يبدأ؟ هل يبدأ بالتعميم؟ أي إدخال أوسع عدد من الأطفال إلى المدارس، أم يبدأ بتعريب المناهج والبرامج؟ فبدأ بالتعميم، وقد اعتبر البعض أنه أخطأ بهذه البداية، لأنه لا يمكنك أن تبدأ بهذا المبدأ قبل أن تكون قد وفرت أطرا كافية لتحقيق هذا الهدف، فالأطر كانت عمليا غير موجودة، وكان هذا أول نقص واجه استراتيجية تنزيل إصلاح التعليم. 

لكن في سنة 1962، عينت مديرا لديوان وزير التربية الوطنية، ومكلفا بالمديرية العامة للتعليم، وكان علي بالإضافة إلى جماعة من الإخوة الذين اشتغلوا معي في اللجنة، أن نهيء برنامجا لإصلاح التعليم، وهو برنامج حزب الاستقلال كما قال لي الوزير محمد الفاسي.
 
س ـ أي طلب منك أن تنفذ برنامج حزب الاستقلال من خلال الموقع الجديد الذي عينتم فيه؟


 ـ هذا بالضبط ما طلب مني. فاشتغلت أنا وزملائي على هذا المشروع، وكانوا وقتها خمسة أو ستة أطر معروفة، وانكببنا على العمل لإصلاح التعليم، بما في ذلك إعداد تخطيط مبرمج لتعريب التعليم. وفي نفس الوقت الذي كنا نهيء فيه تقريرا للوزير عن خلاصة العمل الذي قمنا به، كانت هناك مدرسة عليا للأساتذة في مدينة الرباط، وكانت لدي علاقة بمنظمة اليونسكو، بصفتي كنت أشغل منصب الأمين العام للعلاقة مع هذه المنظمة، فطلبت منها جماعة من الخبراء، أي من الأساتذة الذين يمكن أن يهيئوا أطرا لتدريس العلوم باللغة العربية. فاستجابت المنظمة، وتوصلنا بخبراء كانوا عبارة عن أساتذة جامعيين من المشرق، وخاصة من سوريا، وبدأنا في العمل، ويوجد لحد الآن من كانوا أساتذة في هذه المدرسة العليا من الأجانب، وكان معهم بعض المغاربة، أذكر منهم الأستاذ عبد المالك جسوس الذي كان يدرس العلوم. 

قد نسأل عن الطلبة الذين سيلتحقون بهذه المدرسة، والذين سيتخرجون كأساتذة لممارسة تعليم العلوم باللغة العربية. وهذا كان شيئا بسيطا ومتيسرا، لأن بعض المدارس الحرة، وفي مقدمتها مدارس محمد الخامس بالرباط، وكذلك بعض مدارس التعليم الأصيل التابعة لجامعة القرويين بفاس، كانت تحضر الباكالوريا العلمية باللغة العربية. فكان العديد من الطلبة الذين يتخرجون من هذه المدارس، ويحصلون على الباكلوريا العلمية باللغة العربية، إما يذهبون إلى المشرق، وخاصة سوريا والعراق، لاستكمال دراستهم العليا، وإما يلتحقون إلى المشرق الأوروبي، وبالتحديد الاتحاد السوفياتي ورومانيا وبلغاريا، والواقع أنه تخرج عدد من المغاربة كأطباء أو مهندسين أو غير ذلك من الشرق العربي او الشرق الأوروبي.

س ـ معنى ذلك أن هذا المشروع توفرت له إمكانات لكي يؤتي ثماره؟


 ـ نعم، لأن الطلبة كانوا موجودين، وقد وفرنا عليهم الجهد فصاروا يدرسون بالمدرسة العليا للأساتذة كي يتخرجوا أساتذة في بلادهم دون أن يتحملوا عناء السفر لبلدان أخرى، وحصلنا على الأطر من خلال الشراكة مع اليونسكو، التي وفرت لنا عددا من الأساتذة الجامعيين من الشام. وكانت هذه الخطة بمثابة إصلاح للخطأ الذي وقع فيه وزير التربية الوطنية محمد الفاسي عندما بدأ بالتعميم دون أن تتوفر له الأطر الكافية لاستيعاب الكم الهائل من الأطفال الذين التحقوا بالمدرسة. فكان البدء بتوفير الأطر، لأن أي إصلاح للتعليم، إذا لم يبدأ بتكوين الأطر سيكون فاشلا. وهذا للأسف، ما وقع في السبعينيات حينما وافق الملك الحسن الثاني رحمه الله على تعريب التعليم من الابتدائي والثانوي دون تكوين الأطر اللازمة لإنجاح هذا المشروع.

س ـ قبل ذلك أستاذ محمد بلبشير الحسني، مشروع سنة 1962 لإصلاح التعليم، والذي ضم تعريب العلوم. هذا المشروع الذي تكلفتم شخصيا بصياغته رفقة عدد من الخبراء والأطر، ماذا كان مآله ولماذا تم إجهاضه؟

 


 ـ لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذا الموضوع، ولكن ما أريد توضيحه هنا أننا أعددنا الوثيقة التي تبسط مشروع إصلاح التعليم، وقدمناها للوزير، والوزير بدوره قدمها للسلطات العليا، لكن يبدو أن في السياسة العامة للدولة لم تكن هناك رغبة في تعريب التعليم. ولذلك، عين وزير آخر للتربية الوطنية قام يدعو إلى فرنسة التعليم.

س ـ أفهم من ذلك أنه قد تكون هناك جهات تدخلت من أجل الضغط لإبعاد وإزاحة مشروع تعريب التعليم والتمكين بذلك لمزيد من الفرنسة والسياسة الفرنكفونية في التعليم. كم كان على المغرب أن ينتظر من أجل أن يأتي مشروع تعريب التعليم الذي دافعت عنه الحركة الوطنية باستماتة والذي وجه تطبيقه مع الوزير عز الدين العراقي؟ هل بإمكانكم أن تقدموا ملابسات هذه الدينامية في مجال التعريب؟


 ـ قبل أن أجيبكم عن هذا التساؤل، إذا أذنت لي أن أذكر بأن المغرب قطع مرحلتين في بداية الاستقلال، مرحلة تعريب العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالاعتماد على أساتذة كبار مختارين من جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية، من الذين استقدمناهم للإشراف على العلوم الإنسانية والاجتماعية وتعريبها. وكان النجاح على هذا المستوى باهرا.

س ـ ماذا تقصدون بالضبط باصطلاح العلوم الإنسانية والاجتماعية، هل تقصدون مواد مثل مادة التاريخ والجغرافيا؟


 ـ نعم نقصد مادة التاريخ والجغرافيا والفلسفة واللغة العربية والأدب العربي.

س ـ وهذه المواد لا زالت إلى اليوم تدرس باللغة العربية؟


 ـ نعم لا زالت إلى اليوم تدرس باللغة العربية. الجانب الثاني في الموضوع، أو المرحلة الثانية، كانت هي تعريب القضاء، فقد تم تعريبه في السنوات الأولى من الاستقلال إلى اليوم، أي أن القاضي معرب، والمحامي معرب، وتقارير الشرطة القضائية باللغة العربية، والمهن المساعدة للقضاء مثل التوثيق والعدول كلها معربة، وأنا أتذكر هنا قول المرحوم علال الفاسي رحمه الله، حين قال: "عربنا القضاء، وسنبدأ إن شاء الله في تعريب التعليم".

س ـ لكن أستاذ بلبشير أليس من المثير، أو من المفارقة أن تعريب القضاء وجد سلاسة وسهولة، بينما تعريب التعليم وجد في طريقه ممانعات ومقاومة شرسة، ما تفسيركم لذلك؟


 ـ هذا سؤال مهم جدا، لأنه حينما وافق الملك الحسن الثاني على تعريب المواد العلمية، وباشر الوزير عزالدين العراقي هذا المشروع، لم يبدأ بتكوين الأطر. على كل حال كانت مجموعة من الأطر مهيأة، لكنه لم يهيء ما يكفي من الأطر لتعريب التعليم من المستوى الابتدائي إلى ما قبل الجامعي. العبث الذي وقع، وأنا هنا أسطر على كلمة العبث، وأقصدها، أن الوزير عز الدين العراقي عرب المواد العلمية في المستويات الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتوقف المشروع عند هذا الحد، ولم يمتد للمستويات الجامعية. 

معنى ذلك أن التلميذ أو التلميذة الذين قضوا إثني عشر سنة في دراسة المواد العلمية باللغة العربية، حين يصلون إلى الجامعة يجدون هذه المواد تدرس باللغة الفرنسية. ولم يكن هؤلاء التلاميذ قد استوعبوا اللغة الفرنسية بالشكل الكافي الذي يسمح لهم بدراسة المواد العلمية في الجامعة بهذه اللغة. وهذا في اعتقادي هو المشكل الكبير الذي كان سببا فيما وصلت إليه حالة التعليم اليوم، خاصة ما يتعلق بضعف التحكم في اللغات الأجنبية، لأن الحل كان ممكنا كما وقع في تعريب القضاء، إذ كان من الممكن أن يعرب التعليم الجامعي، وأن تفتح كليات العلوم في وجه التعريب، أو نفتح الإمكانية في كلية العلوم لشعبة معربة بجانب شعبة أخرى مفرنسة.

س ـ أي أن نترك الاختيار للطلبة في هذا المجال، من يريد أن يدرس العلوم باللغة العربية يجد شعبة يلتحق بها، ومن أراد أن يدرس هذه المواد بالفرنسية فله ذلك، هل هذا ما تقصده؟


 ـ تماما كما يقع الأمر في كلية الحقوق، فهذه الكلية إلى اليوم يوجد فيها فرعان، فرع معرب وفرع مفرنس، وكان من الممكن أن يقع الشيء نفسه في كلية العلوم، فتعتمد شعبة معربة على الأقل إلى مستوى الإجازة.

س ـ هل يمكن القول بأن تعريب القضاء سهل من مأمورية تعريب كلية الحقوق بخلاف تعريب العلوم في الجامعة الذي تعرض لعملية إجهاض ولم يسمح بأن يبلغ التعريب المستوى الجامعي؟


 ـ لا بد من الإشارة إلى بعض المواقف لنفهم أكثر هذا الموضوع. موقف منظمة اليونسكو وهي منظمة عالمية، ترتبط بها جميع دول العالم، بما فيها المغرب بطيعة الحال، ففي إحدى القرارات القديمة لهذه المنظمة، أكدت أن التعليم ينبغي أن يكون باللغة الأم. هذه واحدة. 

الثانية، حين نتحدث عن التعليم، فإننا نتحدث عن جميع مراحله. صحيح أن التعليم العالي يختص بالبحث العلمي، لكن البحث العلمي يبدأ عادة بعد الإجازة، بمعنى أنه يمكن أن يكون بأي لغة. إلى حد الآن، فرنسا نفسها تحتاج إلى اللغة الإنجليزية في البحث العلمي. فاللغة الأولى الآن المسيطرة على البحث العلمي هي اللغة الإنجليزية. 

إذن كان من الممكن، منذ أن عرب عز الدين العراقي مستويات التعليم إلى الباكالوريا (الثانوية العامة)، أن تفتح شعبة باللغة العربية في كليات العلوم لمن يريد أن يواصل دراسته الجامعية في المواد العلمية باللغة العربية، وفتح شعبة باللغة الفرنسية، وممكن أن يتم فتح شعبة أخرى باللغة الإنجليزية أو الإسبانية، ويكون الاختيار للطلبة. صحيح أن هذا يحتاج إلى تكوين أطر، وهذا متيسر إذا وقع الاعتماد على خبرات كما وقع في التجربة الأولى التي قمنا بها في بداية الستينيات، إذ يمكن الاعتماد على أطر من دول أخرى في إطار التعاون مع الدول العربية التي عربت جزءا من التعليم العالي. ولذلك، فالمشكل وقع في الساعة التي وقف فيها التعريب عند الباكالوريا.

 

 

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك