لن نبيعك يا فلسطين

منذ أكثر من عامين، ومع قدوم سيد جديد للبيت الأبيض (تأمل رئيسة الكونجرس أن تراه في السجن قريبا)، وفي لقائه مع السيسي، تكلما للمرة الأولى عن ما يطلق عليه بصفقة القرن وظل الجميع يخمن ما هي صفقة القرن. وكان من الواضح أنها ذات علاقة بالكيان الإسرائيلي، ثم بدأ الحديث والتسريبات والأفعال، ونقل السفارة وقرار الرئيس المهووس بخصوص الجولان، والزيارات المتبادلة بين بعض العملاء العرب مع الكيان واستقبالهم في العواصم العربية، وغير ذلك من مشاهدات.

وكما نعلم، فإن من أسس الفكرة الغربية العلمانية أنها تبني مشروعاتها على أن الإنسان هو حيوان يعيش حسب رغباته، وكل شيء يمكن أن يباع أو يشترى دون أي رادع، وأن العقل الذي وهبه الله إياه ما هو إلا وسيلة؛ يستخدمه لتحقيق هذه الرغبات دون رادع أو وازع ديني أو قيمي أو أخلاقي. بل وتسعى إلى أن يكون العالم كله يسير على نفس النهج، وتكون لها أستاذية العالم لأنه يسير على نفس النظام الحياتي الذي تعيشه، مع اختلاف واحد؛ أنها (أي الفكرة العلمانية) لن تسمح للنظام الذي تعيشه وتعتقد أنه يحقق لها السعادة في "بعض" المجتمعات الغربية؛ أن تعيشه المجتمعات الأخرى في العالم أجمع، ولكن تظل باقي الشعوب والمجتمعات تحلم به وتأمل في أن تحققه وأن تعيشه شرقا أو شمالا أو جنوبا، ولكن هيهات هيهات.

وما نعيشه الآن في عملية صفقة القرن هي مرحلة صناعة الحلم؛ من خلال ما يتم الإعداد له الآن في ورشة البحرين، والتي كان من المفترض أن تكون في السعودية، ولكن تم تغيير المكان إلى الحيطة المائلة في البحرين. ومن المتوقع، وحسب التسريبات، أن هذه الورشة سوف تكون معنية بإطلاق الوعود والأمنيات وتوزيعها على الشعب الفلسطيني بمختلف توزيعاته، ومن ثم على بعض الشعوب العربية ذات الاتصال المباشر بالقضية الفلسطينية، ودول الجوار الفلسطيني مثل الأردن ومصر ولبنان. فنجد من يتحدث عن ضخ استثمارات بالمليارات في دول الأردن ولبنان لتسكين اللاجئين الفلسطينيين في تلك الدول، ونفس الحال في غزة والأراضي الفلسطينية، من أجل إغراء الفلسطينيين للتنازل عن ممتلكاتهم. ونقراً يوميا كيف تقوم الإمارات وبعض السعوديين بمحاولة شراء العديد من البيوت الفلسطينية في الضفة الغربية.

ومما يُحزن أن تمويل الصفقة وهذه الاستثمارات الموعودة؛ سوف تكون أموالا عربية إسلامية، حيث تقول الأخبار إن أكثر من 75 في المئة من تمويل الصفقة ستقوم بها السعودية والإمارات وقطر، وهذا ما تم الاتفاق عليه في الزيارة التي قام بها كوشنر لمنطقة الخليج منذ أكثر من شهرين.

في الحقيقة، لا يستطيع إنسان أن يلوم الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة وعلى رأسها الرئيس الغريب الأطوار الموجود حاليا؛ لأنه يسعى لتحقيق مصلحته القائمة على قناعات مشروعه (من وجهة نظره). فهو أولا يعرف أين تكمن هذه المصلحة، والجانب الثاني هو أيضا يعرف أين توجد موارده بشكل صحيح، ويقوم على توظيف تلك الموارد بالشكل الأمثل. وكما ذكرت، فإن منظومته الفكرية لا تتوقف عند قيم أو أخلاق أو دين، وبالتالي كل شيء مباح ومتاح طالما يصل به إلى تحقيق مصالحه.

وفي تقديري أن الهدف الرئيسي والمصلحة الكبرى للغرب ومنظومته الفكرية هو أن يتشتت المسلمين، ولا تقوم لهم قائمة موحدة. وهم يسعون إلى هذا الهدف منذ أكثر من ألف عام كانوا ينجحون أحيانا ويفشلون أكثر، حتى سقوط الخلافة العثمانية، فتم من خلال التقسيم العرقي القومي إلى تفتيت المسلمين، ولما ثبت فشل المحاولات في السبعينيات من القرن الماضي، تم استخدام الطائفية والمذهبية كأسلوب بديل للتقسيم والتشتيت.

ونظرة سريعة على واقع العالم الإسلامي، نجد أن الغرب يعتبر ناجح في تحقيق هدفه حتى الآن. وهنا لعلى استطرد قليلا لتوضيح ماذا اقصده بالغرب؛ فليس المقصود هم من يعيش في الغرب أو في أوروبا أو أمريكا، فهذه المجتمعات يجب أن نقسمها تحليليا إلى ثلاثة أجزاء: الشعوب والنخب العاقلة والنخب غير العاقلة، وهي التي تشكل المؤسسات الحاكمة في تلك الدول، وهي من أقصدها في السطور السابقة. أما جزء الشعوب والنخب العاقلة، فمن الممكن التعامل معها، وهذا قد يحتاج إلى تفاصيل ليس هذا مكانها.

كانت فلسطين والأقصى في قلب الأمة الإسلامية على مدى العقود المتتالية خلال القرن الماضي، لكونها الأرض التي باركها المولى عز وجل، وأنها مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مع نهايات القرن وبدايات القرن الحادي والعشرين، بدأت تتحول إلى قضية عربية، ثم إلى قضية فلسطينية. ولا أريد أن أقول إنها تقزمت لتكون قضية الضفة وأخرى لغزة، وأصبحنا نحن المسلمين لا ننظر النظرة الكلية الشاملة المطلوبة، بل على العكس تجزأت النظرة لتكون محدودة وغير فاعلة أو معبرة عن الواقع بشكل حقيقي.

ونذكر جميعا عندما قام أحد الأستراليين ادعى الجنون بمحاولة حرق المسجد الأقصى في آب/ أغسطس عام 1969، وثار المسلمون في كل أنحاء العالم الإسلامي شرقا وغربا، وخرجت المظاهرات في كراتشى وجاكارتا والقاهرة والرباط، وكل العواصم والمدن الإسلامية، مما دفع الرموز التي كانت تحكم دول العالم الإسلامي للتنادي إلى عقد مؤتمر قمة في الرباط بالمغرب في شهر أيلول/ سبتمبر من نفس العام، أي بعد الحريق بشهر. وكان هذا هو المؤتمر الإسلامي الأول، وخرجت عنه توصيات بضرورة وحدة الأمة، وتم الاتفاق على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي (التعاون الإسلامي الآن) بهدف توحيد الشعوب الإسلامية. وكان من المخطط أن يكون مقرها مدينة القدس بعد تحريرها، حسب توصيات اجتماعات وزراء الخارجية الأول عام 1970، وأن جدة مقر مؤقت.

ومن يشاهد القمة الإسلامية التي عقدت بمكة المكرمة مؤخرا؛ يتيقن من أن من يعادي الإسلام استطاع أن يفرغ هذا المشروع من مضمونه. فلم يتم تحرير القدس، بل أصبحت عاصمة رسمية للكيان، ولم تتحرك الشعوب المسلمة كما تحركت منذ ما يقرب من خمسين عاما.

فهل نسينا الأقصى ونسينا فلسطين ومكانتهما عندنا، ونسينا الشهداء الذين سقطوا من أجل تحرير الأقصى منذ أيام المسلمين الأوائل ضد الدولة البيزنطية، أو على مر التاريخ خلال الحروب الصليبية أو في العصر الحديث في حرب فلسطين ضد الإنجليز والمستوطنين في الثلاثينيات وحرب 48، وغيرها من حروب بعد ذلك؟ هل نستسلم ونبيع فلسطين والأقصى، وخصوصا أنها صفقة والصفقة تعني أنها فرصة أم ننتفض ونثور من أجل ثالث الحرمين الشريفين، وأن تستعيد قضية فلسطين مكانتها في قلب الأمة؟

وهنا أهمس في أذن الإخوة الفلسطينيين: أرجوكم أعيدوا فلسطين لقلب الأمة وحضن المسلمين، ولا تعتقدوا ابدأ أنها قضية فلسطينية، بل هي قضية إسلامية. ولتكن محاولة شراء فلسطين وورشة البحرين مناسبة للتأكيد على أن فلسطين وأي قضية إسلامية أخرى ليست للبيع، وعلى الجميع أن يلتفوا سويا، فليس هناك أمل بعد الله سبحانه وتعالى إلا في حركة الشعوب والمخلصين منهم واتحادهم ووحدتهم.

وختاما، فإنني أخاطب الأقصى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأرض المباركة في فلسطين؛ أن تكون على يقين أننا لن نبيعها، وإذا قصرنا ولم نستطيع أن نحميها فلتكن على يقين أن الله سبحانه وتعالى سوف يستبدلنا بمن يستطيع حمايتها وعدم التفريط فيها.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك