حروب الوعي: عراك تكتيكي وحسم استراتيجي

لم يكن المسلسل الوثائقي "حرب الوعي" للمراسل العسكري في القناة 11 للتلفزيون الإسرائيلي، إلا مثالا واحدا على الاستخدامات الإسرائيلية الواسعة والمتنوعة لأدوات ووسائل وأساليب الحرب على الذاكرة والوعي، حيث ظهر المسلسل نفسه وبشكل غير مباشر لكنه واضح، كأحد أدوات هذه الحرب التي تناولها المسلسل بشكل موسع، فقد عمل المسلسل على محاولة تعديل بعض نتائج حرب الوعي التي نجحت المقاومة الفلسطينية في غزة وبصورة واضحة في تحقيق نقاط إيجابية في ميادينها في المواجهات الأخيرة، فما هي معاني ذلك؟ 


أظهر المسلسل الوثائقي حقائق مهنية ومتفق عليها في أهمية و ضرورة شن "حملات الذاكرة" و"حملات التأثير" كأحد أهم أنواع الحروب الحديثة التي تندرج في إطار الحرب النفسية الحيوية و الضرورية لتحقيق الإنجازات في مواجهة العدو، ومن أهم أساليبها " Fake news" – الأخبار الزائفة، و لهذا السبب بالتحديد تم إقامة وحدة الحرب النفسية في الجيش الإسرائيلي المسماة "ل.ف" التي تكبر الصغير و تصغر الكبير، و تحاول زرع الشك في أفهام جمهور الخصم تحديدا لوقائع المعركة بأنواعها دون أن تعترف أنها تصل لدرجة اختلاق معلومات غير حقيقية .


يعزز ظهور ضباط كبار في الجيش مثل الناطق باسم الجيش فرضية كون المسلسل نفسه جزءا من الحرب النفسية أو حرب الذاكرة أو الأخبار الزائفة التي تستهدف بالدرجة الأولى الجمهور الإسرائيلي ثم الجمهور الفلسطيني والعربي بشكل عام، حيث عرض الناطق باسم الجيش من بين ما تم عرضه في البرنامج شريطي فيديو نشرتهما المقاومة في غزة في المواجهة الأخيرة في 4-5، و يبدو أنهما سجلا نقاطا إيجابية في حرب المقاومة على الذاكرة، حيث زعم الناطق إنهما مفبركان فالانفجار الذي يظهر واضحا لم يتسبب بأي ضرر للدبابة، والقطار الأحمر الذي تركته المقاومة يمضي قصدا لتستهدف هدفا عسكريا لم يكن موجودا في المنطقة على حد زعمهم .


هي محاولة تعديل يائسة لما نجحت المقاومة في حفره في ذاكرة شعوب المنطقة، و في بث حي و مباشر من صورة انتصار و بطولة حققتها في جولة المواجهة الأخيرة، حيث أظهرت سيطرة كاملة في ضرب أهداف عسكرية و تجنب الأهداف المدنية لتضرب بهذا أحد أهم أركان الدعاية الإسرائيلية القائمة على اتهام المقاومة بتعمد ضرب الأهداف "المدنية".


تنتظر وحدات الحرب النفسية في جيش الاحتلال الإسرائيلي و تترصد بفارغ الصبر (سقطة) أو ما يمكن اعتباره كذلك في ما تنشره المقاومة الفلسطينية من معلوماتأو صور أو فيديو حول مواجهاتها المستمرة مع الاحتلال لتستخدمها في ضرب (مصداقية المقاومة) وهي ذخرها الاستراتيجي لدى الجماهير كافة، وقد تنسى دولة الاحتلال ووحداتها الحربية أثناء صراعها التكتيكي و الخطير هذا، أو تتناسى هزيمتها الاستراتيجية و الحاسمة في ميدان ذاكرة ووعي الشعوب كدولة قائمة على أساطير مخترعة و خرافات و مقولات زائفة في حق الشعب المختار التاريخي و الديني في فلسطين الأرض من غير شعب، وتلك هي حرب الوعي الكبرى.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك