استثنائية الثورة السودانية

ليس من قبيل التفاؤل الزائد، ولا ضربًا من ضروب الخيال، وليست أوهاما أو أحلاما أو أمان، لكنه تصور واستشراف لمآلات الثورة السودانية في القريب المنظور، خاصة أن بعض عناصر الرؤية قد توفّرت تقريبا.


منذ بداية الحراك الشعبي والنظرة التشاؤمية تطغى حين يأتي الحديث عما يجري في السودان، في ظل دعم كبير لنظام البشير وبما لم يحلم به، فقد وقف معه خصومه ومؤيدوه من الأنظمة العربية، "خوفا من موجة ثانية للربيع العربي، وبعضهم على مصالحه"، وتثاقلت معظم وسائل الإعلام العربية عن نقل أخبار الاحتجاجات السودانية، كي يبقى في السُلطة، إلا أن الشعب السوداني استطاع أن يجبر البشير على التنحي وإجبار الدول الداعمة له على رفع الغطاء عنه.


بعد تنحي البشير واستلام المجلس العسكري للسلطة، عاد الحديث التشاؤمي مرة أخرى بتصوير ما يجري في السودان على أنه انعكاس لما جرى في مصر، وانحصار الخيارات: إما بسلطة عسكرية ديكتاتورية قمعية وإما أن تأخذ الثورة طابعًا دمويًّا علنيًا ممنهجًا كما جرى في ليبيا وسوريا واليمن بقيادة الحلف السعودي الإماراتي المصري، وبتخطيط ومباركة وإشراف دولي تقاسمته عسكريًا وسياسيًا كل من أمريكا وروسيا وحوّلت تلك البلدان إلى أكبر محرقة بشرية في تاريخ العرب المعاصر.


لكن حديثنا عن صمود التجربة السودانية واستثنائيّتها ليس مجرد أمنية تتنكر لما وقع من حقائق إستراتيجية إقليميًا ودوليًا، أو التغافل عن العنف الذي طغى على الحالة السورية واليمنية والليبية والذي شاهده العالم في صمت وذهول وعجز وتواطؤ، كما شاهد مجزرة الجيش المصري بمباركة أمريكية ودولية وتمويل من بعض دول الخليج، بحقّ متظاهرين عزّل (نستطيع أن نتحدث عن سذاجتهم السياسية، دون أن ينقص ذلك من بشاعة جريمة إبادتهم شيئا) توّج بها الجيش انقلابه على ثورة مصرية لم يكن مسموحًا صهيونيًا وأمريكيًا بنجاحها، فضلاً عن عجز الجبهة الداخلية بكل فصائلها عن فهم متطلّبات المرحلة.


وبنفس المكر الاستراتيجي تمّ استدراج كلّ من إيران والسعودية (وجها المذهبية الجاهلة) إلى حرب بالوكالة حققت مجموعة أهداف استعمارية دفعة واحدة، بحيث رهنت مقدّرات السعودية الضخمة وورّطتها في حرب تستنزف ثروتها وثقلها الإقليمي العربي المفترض، واستدرجت إيران المتمذهبة أيضا، إلى حرب أخرى فوق أرض عربية أخرى بعد سوريا والعراق جعلت منها أداة لتفتيت الجسم العربي المنهك بالدكتاتوريات والتخلّف، ولتتّخذها أمريكا ذريعة وفزّاعة إضافية لابتزاز الخليج ونهب ثرواته وتعزيز حضورها العسكري المباشر في المجال العربي.

في السودان وفي سياق شبه انقلابي مُمنهج رأينا شراسة في فض الاعتصام - حتى الآن- تخلّلتها عمليات قتل واغتيالات لم تكن بعيدة عن غرف القرار العسكري الذي لا يرى السودان خارج مجاله الحيوي الاستراتيجي. ومع كل ذلك لا يمكننا القفز عن بعض المعطيات التي تعطي الثورة السودانية استثنائية كعدم تغلغل العسكر في النسيج الاقتصادي والسياسي والثقافي والإعلامي والمخابراتي السوداني، وبالتالي عدم التغلغل في الدولة العميقة كما في مصر مثلا. كما أن قوى الثورة أو الحراك الشعبي السوداني، بعيدة عن الأيديولوجيات وشعاراتها وحصرت مطالبها بنقاط محددة تُعبر عن تطلعات وآمال الشعب السوداني نحو الحرية والكرامة والإنسانية ودولة القانون والمؤسسات، الأمر الذي يجعل من الصعب على المجلس العسكري توظيف حشد جماهيري ضد الثورة، كما حدث لتيار الإسلام السياسي في بعض الدول.


لا أحد يجزم باستحالة ذهاب المجلس العسكري لخيار العنف والقمع، ومحاولة فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، لكننا نجزم بأنه قرار صعب ومن الخطورة بمكان المجازفة به، وسيتوقف العسكر عنده مليًا حين يجدون أنفسهم في مواجهة شاملة مع كافة قطاعات الشعب السوداني، وأنهم متهمون بتنفيذ أجندة إقليمية دعمت وأيدت استخدام العنف ضد الثورات، وضد آمال وتطلعات الشعوب العربية بالحرية والتغيير. 


ووفق الرؤى المنظورة وأمام صلابة الجبهة الوطنية السودانية وتماسكها واستعصاء نضالها الشعبي، وتنوع خياراتها السلمية بما فيها العصيان المدني الموجع، سيتنازل العسكر تدريجيا ناحية المطالب الشعبية المتمثلة، بهيئات دستورية مستقلة تُتوج بانتخابات برلمانية ورئاسية.. وهنا قد يتوجه العسكر للخطة "ب"والمتمثلة بتزوير الانتخابات لحماية مكتسباتهم وحماية أنفسهم خشية من محاكمات مستقبلية.. تزوير قد يكون مخططا ومُمنهجا ومدعوما من ذات الأطراف الإقليمية التي وقفت وما زالت ضد تطلعات الشعوب العربية في الحرية والتغيير.


وحتى موعد الانتخابات سيبقى المجلس العسكري يتحين الفرص للتملص من وعوده والتزاماته التي قطعها على نفسه، عاضًا على أصابعه. وبالمقابل على قوى الحرية والتغيير الشعبية رصّ صفوفها، وتحديد أولوياتها، من خلال برامج غير مشتتة بعيداً عن بعض الزعامات المهووسة بالمناصب والجاهزة للانخراط في أي مناورة تستهدف تزوير للانتخابات.


بهذا الهدوء والصمود والتدرّج يتمّ تصنيع مَشهد يكون فيه الشعب قويًا متماسكًا وصاحب الكلمة الفصل.


متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك