صوت العرب من القاهرة


 من لا يذكر "صوت العرب من القاهرة" كواحد من أشهر إذاعات العالم العربي فترة الستينيات؟ صحيح أن هذا الصوت الذي كان يبث من عاصمة العالم العربي آنذاك لم يكن بالضرورة صوت العرب الحقيقي في تلك الفترة، لكنه كان الصوت الذي كان يحب أن يسمعه العرب زمن صعود المد القومي بمشروعات تراوحت بين التحرر الوطني والانعتاق من المستعمر والوحدة العربية ومواجهة السيطرة الإمبريالية ومعها رمزية الزعيم الخالد وشعارات إلقاء إسرائيل في البحر وووو و"لا صلح… لا استسلام… لا مليون لا".

من عايش تلك المرحلة يذكر جيدا هدير "صوت العرب" على لسان الراحل أحمد سعيد المعلق الأكثر شهرة آنذاك: "طائرات العدو تتساقط كالذباب!" وذلك بُعيْد خروج القوة الجوية المصرية من الخدمة بفعل الضربات الجوية الإسرائيلية صبيحة يوم السادس من يونيو / حزيران عام 1967. بعد ذلك وفي خضم الفوضى العارمة جراء انسحاب الجيش المصري والقوات العربية الحليفة -على غير هدى- صوب القاهرة بوجه دبابات الصهاينة المزمجرة في صحراء سيناء، كان صوت العرب: "أم كلثوم تحيي الليلة في تل أبيب!".

بقية القصة معروفة؛ فبدلا من سهرة العرب بتل أبيب، تجرعوا مرارة سحق وتدمير جيوشهم على وقع ضياع القدس وسيناء والضفة الغربية ومرتفعات الجولان بيد الصهاينة دفعة واحدة. في لحظة الحقيقة تلك أيقن القوم -ولو متأخراً- أن شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" كان طاقية الإخفاء لعقود من الاستبداد والقهر والفساد والتخلف والتبعية وانعدام التنمية إلى يومنا هذا، وأنى للواهمين الحالمين الظفر بمعركة؟

وكان من تداعيات ما سبق تآكل صورة الأنظمة الوظيفية الشمولية وكذا النخب المرتبطة بها بموازاة تآكل رموز وشعارات صنعت وجه تلك المرحلة. أما ما أعقب ذلك من شعارات التحديث والتجديد على وقع هزات انفتاح وخصخصة وثورات اتصالات ومعلوماتية فلم ينجح في تجميل صورة تلك الأنظمة، إذ تم استبدال المطالبة بإنهاء الاحتلال بتطبيع مع المحتل تضمن تمكينه من الاستمتاع بدوره الجديد كمحتل اقتصادي وسياسي وثقافي يشكِّل الأفكار والعقول ومعها مستقبل المنطقة! أما مناهضة الإمبريالية والتبعية، فاستُبدلت بالارتهان لكليهما، ومعهما انتهى حب الوطن ببيع الوطن، مثلما انتهى "صوت العرب" بخنق ما تبقى من أنفاس مستمعيه من العرب، وبقي مقص الحسيب والرقيب على محتوى الإعلام بيد "الأخ الأكبر" -أجهزة الاستخبارات- وبالعقلية القديمة ذاتها، وهي التي لا تحسن الإفادة من الأحداث في تلميع صورة النظام المهزوز على كل حال، وآخرها إخفاق القوم في استثمار رحيل الرئيس المصري المعزول محمد مرسي -إعلاميا ودعائيا لصالح من وقف بوجهه من الأنظمة-، وهي لن تغفر له بحال أنه كان أول من اعتلى حكم بلاده ديمقراطياً دون امتطاء لصهوة حمار أو دبابة.

في عصر عولمة الإعلام وشبكات التواصل؛ أي قيمة ترتجى لمنع نشر خبر وفاة رئيس، أو "دحش" الخبر في عمود صغير بصفحة داخلية من صحيفة محلية لا يتجاوز مجموع قرائها هي وكل الصحف المحلية مجتمعة عدد متابعي حساب تويتر واحد مثلا؟ ترى ألا يدعو للسخرية ذكر اسم المتوفي -إن ذُكر- مجردا من لقبه كرئيس سابق على الأقل؟ ناهيك عن فرض حظر على حضور جنازته ومراسم دفنه أو حتى الاقتراب من محيط قبره بل وعلى صلاة الغائب وبيت عزائه؟ ألم تفوّت عقلية متخلفة كتلك على نفسها فرصة تجميل وجهها ولو بمزايدة عابرة تزايد من خلالها على مد شعبي تعاطف مع الفقيد من المحيط إلى المحيط؟ بل ألم تضيّع على نفسها مكاسب "يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته" على أقل تقدير؟

مرد ذلك أهو إفلاس نخب تلك الأنظمة فحسب؟ أم يضاف إليه مركب نقص يعتري بعضها بامتلاك الراحل شرعية ومكانة تفتقدها تلك الأنظمة؟

عجلة القوم إذاً في التخلص من رئيس شرعي أتى بانتخابات ثورية ديمقراطية "بين قوسين غير مزورة" بل ومواراة سيرته مع جثمانه الثرى خلافاً لقاعدة "أذكروا محاسن موتاكم"؛ أمر مفهوم في سياق تعجل دفن ما تبقى من مشروعية ثورة ما كان ينبغي لها أن تكون، وإن فات البعض ملاحظة أن مشروعية الثورة -أي ثورة- لا تنبثق من شخوص ورموز تلك الثورة، بل من صميم عدالة القضية التي تحملها تلك الثورة .

وإلى حين عودة صوت العرب الحقيقي ليصدح من قاهرة الغزاة مجدداً، يظل "صوت تل أبيب من القاهرة" وحده سيد الساحة حتى إشعار آخر، ولم لا؟ فمن قاهرة العرب -ومن كثير من عواصم العرب- يغيب اليوم صوت العرب تماما مثلما يغيب كل موقف يخدم قضايا ومصالح العرب… رمزية وواقع اختزلهما المنقلبون على شرعية ثورة أتت بمرسي في حصر البث والدنوّ من قبر مرسي -بقلب القاهرة- بمراسل قناة تلفزيونية صهيونية دون سواها، ودم الرئيس الشهيد في ثراه لم يجفّ بعد؟

بالأمس ومن القدس أعلنها الجنرال اللنبي غداة احتلال قدس الأقداس: "الآن انتهت الحروب الصليبية". واليوم ومن القاهرة عبر أثير العرب وقد ذوى صوت العرب، يعلنها مراسل تلفزيوني صهيوني لجمهوره على الهواء بنشوة المنتصر: "الآن انتهت الثورة المصرية… الآن انتهت ثورة العرب ولا ربيع بعد اليوم للعرب"، وفق اجتهاده على الأقل.

قد لا يمر وقت طويل قبل أن يدرك القوم أن قبر مرسي لم يكن قبرا دفنت فيه -وللأبد- تلك الثورة ومعها أحلام تلك الثورة، وإن ظل صاحب القبر حتى إشعار آخر الرئيس الشرعي والوحيد ولا رئيس غيره… قبر يحتضن ليس فقط الشهيد بل الرمز الأبرز في الذود عن حياض مشروعية ثورة تخلى عنها جل ثوارها. بل ولن يمر وقت طويل أيضاً قبل أن يدرك الغافلون أن عدالة قضية الثورة أقدر على قبر أوهامهم وأحلامهم بوأد تلك الثورة. حينها فقط -وبعد إزاحة الواهمين والأوهام معاً من المشهد- تنتهي مرحلة الثورة لتبدأ مرحلة جديدة من البناء بعد الثورة.

يرحل الرجال وتحيا الثورة!

حساب الكاتب على

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك