ورشة المنامة.. دعم اقتصادي أم ابتزاز تصفوي؟

كيف يُمكن لنا أنْ نُوفق بين دعوة البيت الأبيض لعقد مؤتمر يدعو إلى الاستثمار الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتنشيط حركة الدعم المالي للعائلات الفلسطينية التي تُعاني الويلات من سياسات المحتل الصهيوني، وفي الوقت نفسه يُحاصر الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ويُوقف الدعم المالي عن مؤسسات الأمم المتحدة "الأنروا"، ويُشرعن الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية؟! كيف يُمكن أنْ ننظر لتجاهل الإدارة الأمريكية الحل السياسي للقضية الفلسطينية، وتقديم الحل الاقتصادي الصوري في أواخر الشهر الجاري؟

أعتقد أنَّ الموضوع له علاقة مباشرة بالسياسة العامة التي ينتهجها "دونالد ترامب" في حل القضايا السياسية؛ التي من وجهة نظره قد أخطأت الإدارات السابقة في التعاطي معها، وهذا ما عبّر عنه "ترامب" في تصريحات مختلفة، فقد أعاب على "أوباما" ضعفه في الاتفاق النووي الإيراني الذي خرج به قبيل انتهاء ولايته عام 2016، وأعاب كثيراً على سياسة الإدارات السابقة في التعامل مع السعودية وبعض الدول الأخرى، وذلك عندما وصف سياستهم في أكثر من موطن بالغبية، وأكد أنّه يُصحح طريقة التعامل معها من خلال سياسة الحلب المالي، سواء بالتخويف الاقليمي أو التوريط العسكري، والتفت أيضاً إلى ملف المكسيك وقضية الهجرة غير الشرعية التي تُؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي، وانتقد بشدة آليات التعامل مع كوريا الشمالية وملفاتها النووية.. كل ذلك يُؤكد أنَّ الرجل يحمل عقلية تصحيحية من وجهة نظره، ويهدم إرث السياسات السابقة في بعض الملفات الرئيسة، بيد أنَّها فوضوية وشعبوية من وجهة نظر آخرين.

ولأنَّ رئيس الولايات المتحدة قادم من عالم المال والأعمال، فإنَّ سياسته في التعاطي مع المسائل العالقة يطغى عليها التفاوض الشرائي، إلا أنَّها تصطبغ بالفوقية والهنجعية التي تلوح بالقوة العسكرية في كثيرٍ من الأحيان. انظر إلى ملف كوريا الشمالية مثلاً، فقد أعلن "ترامب" صراحة عن خطورة سلاح كوريا الشمالية النووي وعن ضرورة نزعه بالسبل كافة، ثم بدأ يُعلي من لهجته ضد الحكومة الكورية ومصالحها المختلفة، حتى ظنَّ بعض الناس أنَّ الحرب قاب قوسين أو أدنى بعد أنْ حرّك الأمريكي بعض معداته العسكرية، بيد أنَّ مرجل الغليان لم يكن سوى فقعات صورية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض من جديد. وهذا ما يفعله تجاه الاتفاق النووي الإيراني، فقبل أيام كان يعتقد بعض المحللين أنَّ الحرب قد اشتعلت بين إيران وأمريكا نتيجة العقوبات الاقتصادية ضد إيران، والمعدات العسكرية الضخمة التي تحركت تجاه الشرق الأوسط وغيرها من الإجراءات التوتيرية، واليوم يتحدث "ترامب" عن الحوار وسبله، والبيئة المناسبة للجلوس مع الإيرانيين.

إذن، سياسة "ترامب" تقوم على صدمة الطرف الآخر بالتخلي عن الحلول المسبقة، ثم اتباعه بمجموعة من العقوبات والتهديدات التي قد يظنها بعض المراقبين أنها الهاوية الحتمية، ثم يعود إلى اللغة العقلانية لانتزاع أكبر قدر من النقاط التي تصب في مصلحته السياسية والمادية.

وهذا ما أعتقد أنه فعله وسيفعله فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد وبخ ترامب "حل الدولتين" وما قامت عليه من أسس ظالمة للشعب الإسرائيلي من وجهة نظره، ثم قام بسلسة إجراءات لفرض واقع جديد، لإحراج الطرف الفلسطيني، خصوصاً في ظل الانقسام الفلسطيني الداخلي، والأوضاع العربية غير المستقرة، فاعترف بالقدس عاصمة للاحتلال، وتنصّل من حق اللاجئين في العودة لديارهم التي هُجروا منها عام 1948، والآن يُقدم الحل الاقتصادي دون الالتفات للأساس السياسي، مع أنَّ جميع المراقبين لصفقة القرن المبهمة يُدركون ألا مستقبل للمبادرة الاقتصادية قبل الحل السياسي الواضح والعادل، إلا أنه يريد أنْ يُحرج القيادة الفلسطينية من خلال الجزرة التي يُقدمها بعد أنْ قضى على مشروعها السياسي إجرائياً، وقلص من دعمها الاقتصادي عملياً، ويسعى أيضاً إلى أنْ يُثبت "إسرائيل" كجسم مقبول في المنطقة العربية، من خلال التحالفات التي العربية الإسرائيلية في وجه العدو الإيراني، كما يصفه.

وعليه؛ فإنَّ "دونالد ترامب" يتعامل مع منطقة الشرق الأوسط بسياسة الصفقات التجارية، من خلال إعادة النظر في الملفات المهمة، بحيث يضمن أمن إسرائيل بالدرجة الأولى، والحصول على أكبر قدر من الأموال النقدية، التي تعني له مزيد من الوظائف الأمريكية، وبهذا يضمن "ترامب" مزيداً من الدعم اللوبي الصهيوني، والأصوات الأمريكية في الانتخابات المقبلة.

إنَّ إصرار الإدارة الأمريكية لعقد مؤتمر المنامة بعد إرجائه مرات عدة، يأتي في سياق ترويض الفكرة لدى السلطة الفلسطينية التي تُعاني من حصار اقتصادي؛ نتيجة السياسة الأمريكية العامة ضد مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، والتضييق الإسرائيلي على حركة أموال المقاصة وغيرها، وكذلك يأتي في سياق إقناع الدول العربية الرئيسة لقبول صفقة القرن التي تهدف إلى تثبيت ما قامت به الإدارة الأمريكية من إجراءات حقيقتها تصفية القضية الفلسطينية، وخصوصاً أننا نتحدث عن ملفي القدس، واللاجئين، وبالتالي القضية الفلسطينية أمام ابتزاز تاريخي، يُشبه كثيراً ما حدث إبان بلورة اتفاقية "أوسلو" التي تنازلت عن 78 في المئة من فلسطين المحتلة.

فقد تعرضت الثورة الفلسطينية في الخارج لحصار شديد وغيرها من إجراءات التضييق؛ أدى بها إلى التوقيع على تلك الاتفاقية، وبعد ربع قرن من الاتفاق لم يحصل الفلسطينيون على أي شيء مما تم الاتفاق عليه. وهذا ما يُنذر حقيقة بأنَّ الحلول التي تفرضها الإدارة الأمريكية اليوم تهدف إلى القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية، وترسيخ دولة إسرائيل في المنطقة العربية التي تسعى بعض أنظمتها الحاكمة للجم إعادة إنتاج ثورات الربيع العربي، وهذا يُوجب على الفلسطينيين بالتحديد، أنْ يبادروا مسرعين نحو الوحدة الوطنية من أجل بلورة استراتيجية وطنية تقاوم صفقة القرن، وتُفشل مخططات التاجر الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً أنَّ الموقف العربي يعلو صوته ويتضح بعد الموقف الفلسطيني الصريح.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك