الرئيس مرسي والحزن كما ينبغي!

منذ الإعلان عن وفاة الرئيس محمد مرسي في الاثنين 17 من حزيران/ يونيو الماضي، والآلام تعتصر قلوب عشرات الملايين في مصر ومختلف أرجاء العالم، ومن هؤلاء كاتب هذه الكلمات، وكأن الحقائق المُحزنة أحيانا تصير من فرط تقصيرنا آلاما لا تحد!

منذ استقواء الانقلاب العسكري المصري الإقليمي والدولي، وفي النفس أشياء كثيرة؛ من محاولة اغتيال الثورة المصرية بالكامل، ومع بداية الأحكام بالإعدام على الرئيس مرسي ولفيف من قادةالإخوان في أيار/ مايو 2015م، والتوقع صار يُترجم إلى واقع مرير، ولكن النفس لم تكن تتوقع أن تتحول التجربة المريرة في القضاء على حلم ما لا يعد من ملايين العرب والمستضعفين في العالم؛ بمثل هذه السرعة والطريقة الأكثر من زاعقة والأشد من فاجعة والأمضى من حادة!

وكأن النفس تستبعد دائما ما لا تحب حدوثه أو حتى تخيل إمكانية تحقيقه على أرض الواقع. ومن هنا، رغم تسليم العقل وانتظاره لضرورة تخلص النظام المصري من الرئيس مرسي، كان الوجدان والشعور يستبعدان إمكانية حدوث ذلك على أرض الواقع.

وإن شئنا الدقة والمزيد من العمق في الألم، والصراحة أيضا، فإن الروح "كانت" تتمنى عودة للرئيس مرسي، ولو لحين قصير؛ يُسلم فيه السلطة سلميا في مصر، ويبقى أيقونة للنضال العالمي على نحو غير مسبوق من قبل، ولكن الأماني البسيطة المنطقية المعبرة عن شفافية تحب الروح بقاءها في مثل عالم اليوم المليء بسيطرة الأوغاد والغش والخداع!

أراد النظام المصري بث المزيد من الوهن والضعف واليأس في نفوس الشعب والثوار معا، فاغتال على نحو غير مجزوم بكنهه وطريقته؛ الرئيس مرسي، وترك الجميع في حالة من الألم المُتزايد وضياع البوصلة حتى الآن. أما عن أن الأمر جاء مفاجأة بالغة السوء، فذلك مُسلّم به، وأما أن الجميع لم يحسن مجرد الحزن على الراحل العزيز، فهو أكثر من مسلم أيضا.

إن الأمر يتجاوز الألم وضياع الأمل؛ إلى أسئلة مضنية مجهدة حول جدوى الحياة واستمرارها بالنسبة لثوار ومخلصين شرفاء كانوا يعلقون آمالا عريضة على تواصل الحرية وأضوائها المنيرة في بلادنا، حتى نلحق بها وتلحق بنا قبل الممات.

ومن ضمن طوفان الأحزان، ما ذكرنا به الأديب الراحل نجيب محفوظ ونراه بأنفسنا في قرارة أرواحنا في مثل هذه الأوقات، إذ خاطب محفوظ أباه بعد رحيله قائلا:

- "عفوا يا أبي لم أحزن عليك كما ينبغي!".

وقريبا من المعنى الذي أراده محفوظ، جاءت كلمات المطرب المغربي رشيد غلام الغنائية:

- " مش بنحزن لو بكينا".

إذ إن الأمر يتجاوز الأحزان بمراحل، فإذا كان الرئيس مرسي أدى ما عليه بجدارة واقتدار، بخاصة بعد انقلاب الجيش ضده، واحتمل لقرابة ست سنوات ما تنوء به وتقصر عن استيعابه الجبال؛ من الحبس الانفرادي والإهمال، فإن الأهم الآن هو بقاؤنا من بعده، فلا المفاجأة عرفتنا كيف يمكننا أن نحزن الحزن الكافي، ولا الأحزان إن صدقت ترسم لنا طريقنا لفعل ينتصر للثورة ولروح رجل أخلص في زمن عز فيه المخلصين الفعالين.

ترك مرسي بالفعل دنيانا إلى ما هو أفضل مما بقينا فيه، وإن بكينا، في موقف هو الأصعب منذ الانقلاب. فرصيد الأرواح المهددة بالرحيل إلى خالقها من بعده صار في ارتفاع، ونفاد أرصدة الفعالية لدى الراغبين في استمرار الثورة، صار على أشده، فههذه المحن يبدو أنها ستتلاحق، على نحو شديد، إن لم ينر الله درب وعقول الجادين في مصر في الخلاص من المحنة التي تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخها.

إن الأحزان لم تكن على النحو اللائق بالرجل الذي نحسبه شهيدا، ونرجو من الله أن يُلحقه بزمرة المضحين بأرواحهم في سبيل إعلاء النضال في سبيل الحرية والكرامة، فإن كانت الأحزان غير كافية، فكيف بترجمتها إلى أفعال تعيد عقارب النضال أو تخطط لاستبقاء روح الثورة مع أخذ هدنة محارب إلى حين؟

إن المطلوب بوضوح قبل أن تموت روح النضال أكثر أن يفكر المخلصون بعمق وصدق في حل يختصر الحزن والأحزان المقبلة على بلدنا والحراك السلمي الديمقراطي في العالم، بما يحمله من خلاص للمستضعفين في أرجائه، وبدون هذا التفكير والتجرد مما عداه سنبقي طويلا نراوح أماكننا ولن تكون حتى لأحزاننا معنى، فإن الحزن كما ينبغي هو الذي يتبعه فعل، ولو بدا وظهر خافتا حتى حين!

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك