الإسلام والرجم (2): حديث القرآن عن عقوبة الزنى

تحدثت في مقالي السابق عن أن حد الرجم كان مثار نقاش، أو حوار، منذ عهد الراشدين وما بعدهم، وذكرت نصوصا في ذلك، ونسيت نصّا مهما، يدل على أن النقاش دار في عهد عمر بن الخطاب حوله (حين كان رضي الله عنه أميرا للمؤمنين) وحول ثبوته، وعدم وجود الحد في القرآن الكريم، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال:

حجَّ عمر بن الخطاب، فأراد أن يخطب الناس خطبة، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنه قد اجتمع عندك رعاع الناس، فأخر ذلك حتى تأتي المدينة. فلما قدم المدينة دنوت قريبا من المنبر، فسمعته يقول: وإن ناس يقولون: ما بالُ الرجم، وإنما في كتاب الله الجلد؟ وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ولولا أن يقولوا: أثبتّ في كتاب الله ما ليس فيه، لأثبتها كما أنزلت (1).

حديث القرآن عن عقوبة الزنى الأخروية:

تحدث القرآن الكريم عن جريمة الزنى، في عدة آيات كريمات، منها المكي، ومنها المدني، وكان حديثه على مستويين، مستوى الحكم على الجريمة من حيث تحريمها وتجريمها، والتنفير منها، وعقابها الأخروي، وذلك في الآيات المكية، بحكم طبيعة القرآن المكي في أغلبه. وهو ما يلي:

قال تعالى: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا" (الإسراء: 32).

وقال تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون" (المؤمنون: 5-7).

وقال تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا" (الفرقان: 68-69).

حديث القرآن عن عقوبة الزنى الدنيوية:

أما حديث القرآن عن العقوبة الدنيوية للزنى، فكان في القرآن المدني، على مراحل:

1- كقوله تعالى: "وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا. وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابا رَحِيما" (النساء: 15-16).

2- وقوله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (النور: 2-3).

3- وقوله تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (النساء: 25).

فهذه النصوص الثلاثة تتحدث عن مراحل عقوبة الزنى، والمفسرون والفقهاء يختلفون في تأويل هذه النصوص من حيث تاريخها، وهل يمثل أولهم مرحلة، والأخرى المرحلة الأخيرة منه، أم بين المرحلتين مرحلة وسطى وردت في السنة النبوية المطهرة؟ أم أن كل مرحلة من النصوص أعقبتها مرحلة من السنة نسختها؟ تفاصيل مهمة وكثيرة لمن يريد البحث في موضوع الرجم، وتطور تشريعه، وبناء على هذا البحث سيترتب عليه نتيجة: هل هو حد ثابت، أم منسوخ، أم تعزير؟

آيتا سورة النساء وإشكالات في تفسيرهما:

وسوف نبدأ أولا بالنص الأول من سورة النساء، وما ورد حوله من تفاسير وآراء للمفسرين والفقهاء، وحول ما هو منسوخ، وما هو ثابت، وتلقائيا سيتم تناول النصين الآخرين معه. فمن أوائل الآيات التي تحدثت عن الفاحشة، وبيان عقوبة من يفعلها، آيتا سورة النساء. يقول تعالى: "وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا. وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابا رَحِيما" (النساء: 15-16).

القارئ لكتب التفسير، وتأويلات الفقهاء والمفسرين للآيتين، يجد إشكالات وتناقضات، فسنجد مفسرين يحكمون بأن الآيتين منسوختان، وآخرين يقضون بأنهما ليستا بمنسوختين، فنجد الإمام ابن العربي يقول: "اجتمعت الأمة على أن هذه الآية ليست منسوخة؛ لأن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه، اللذين لا يمكن الجمع بينهما، وأما إذا كان الحكم ممدودا إلى غاية، ثم وقع بيان الغاية بعد ذلك فليس بنسخ؛ لأنه كلام منتظم متصل لم يرفع ما بعده ما قبله، ولا اعتراض عليه" (2)، بينما نجد الإمام الكيا الهراسي يقول: "الأكثرون على أن الآية منسوخة بما نزل في سورة النور: "الزانية والزاني" (3).

وقد اختلف المفسرون في تفسير هاتين الآيتين، وهل تتحدثان عن عقاب الرجل والمرأة، والبكر والثيب، أو كل نص خاص بجنس من الجنسين، أو نص خاص بالبكر، ونص خاص بالثيب رجالا ونساء؟ وهل الآيتان تتحدثان عن الزنى فقط بين الرجال والنساء؟ أم تتحدثان عن إتيان الرجال الرجال بما يسمى بـ"اللواط"، وإتيان المرأة المراة بما يسمى بـ"السحاق"؟

لقد اختلف المفسرون في تفسيرها، فمنهم من قال: هي في الأبكار رجالا ونساء، وعقوبتهما بما يعرف في الفقه بعقاب اللواط بين الرجال، وعقاب السحاق بين النساء. ومنهم من قال: هي في الرجال والنساء عامة أبكارا وثيبين. ومنهم من قال: هي عامة في أبكار الرجال والنساء وعقوبتهما. وكل صاحب قول ساق أدلته على ذلك من القرآن والسنة، واللغة، والقواعد التي تساعده على ما ذهب إليه، في تفاصيل طويلة لا يتسع لها المقام هنا، يمكن مراجعتها في كتب التفسير العامة، وكتب التفسير المعنية بتفسير آيات الأحكام (4).

وسواء اتفق المفسرون أم اختلفوا في معنى آيات سورة النساء، ولكن في نهاية الأمر لدينا نصوص تتحدث عن عقوبة الزنى، سواء بين الرجال والرجال، أو بين النساء والنساء، أو بين النساء والرجال، وأن العقوبة بدأت بمستوى معين، وهو الحبس والإيذاء، وجعلت ذلك إلى وقت معين، كما قال تعالى: "حتى يجعل الله لهن سبيلا"، ولكن الفقهاء والمفسرين اختلفوا: ما السبيل هنا الذي أشار الله عز وجل إليه؟ وما النص الذي يعتبر معبرا عن هذا السبيل؟

إن معظم الفقهاء يعتبر آيتي سورة النساء منسوخة بلا شك، ففريق يرى أنها منسوخة بحديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيِّب بالثيب جلد مئة، ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مئة، ونفي سنة" (5)، وهذا على قول من يرى نسخ القرآن بالسنة (6).

قال القاضي أبو يعلى: ويمتنع أن يقع النسخ بحديث عبادة؛ لأنه من أخبار الآحاد، والنسخ لا يجوز بذلك (7). وبذلك اعتبر حديث عبادة، هو "السبيل" المعني في قوله تعالى: "أو يجعل الله لهن سبيلا"، وبالتالي يعتبر أن الحديث جاء لينسخ عقوبة سورة النساء، بعقوبة واضحة، وهي الجلد والنفي لغير المحصن، والجلد والرجم للمحصن، رجلا كان أو امرأة.

وقال قوم: نسخ بقوله: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة" النور: 2، قالوا: وكان قوله: "واللذان يأتيانها" للبكرين، فنسخ حكمهما بالجلد، ونسخ حكم الثيب من النساء بالرجم (8)، وأن آية النور خاصة بغير المحصن رجلا أو امرأة.

ولكن هذا الترتيب لم يسلم به، بل ثار فيها إشكالات كثيرة لدى الفقهاء والمفسرين، وعند من قالوا بأن الرجم حد ثابت، وليس عند من نفوه. وهذا الإشكال ظل يناقش طوال عصور الإسلام، ويحاول كل من يتحدث في الرجم أن يحسمه، أو يدلل على رأيه، فمثلا نرى فقيها كالكيا الهراسي، يقول كلاما في غاية الأهمية عن هذا الترتيب والنسخ، والإشكالات التي يطرحها كفقيه كبير حول هذه النصوص، فيقول:

وكيفما قدر فلا بد من شيء منسوخ في الآية. والصحيح أنه نسخ بقوله عليه السلام: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" الحديث. ويجب أن يكون قوله: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي" نازلا بعد قوله عليه السلام: "جعل الله لهن سبيلا"، فإنه لو نزل قبل هذا الخبر، ما كان لقوله عليه السلام: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" معنى، وذلك يدل على نسخ الكتاب بالسنة.

وعلى هذا إذا نزلت آية النور بعد خبر عبادة، فإنما يكون متضمنا بعض حكم زنا البكر، من غير تعرض لزنى الثيب، ومن غير تعرض لنفي سنة، وذلك في القلب منه شيء.

وكيف ترك الأمر العظيم الأهم من زنى الثيب ورجمه بقول: الزانية والزاني، فيأتي بالألف واللام الدالين على استغراق الجنس، ويقول بعد ذلك: "وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ"، وذلك لأجل المبالغة، فيتعرض لمزيد تغليظ عليهم ليس من جنس الحد، ويقول في تمام التغليظ: "وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".

فيظهر من مجموع هذه المبالغة في التغليظ أنه لو كان ثم حد آخر أو في منه، لكان أولى بأن يتعرض له، فيظهر بذلك الاحتمال الآخر وهو أن قوله: "فَآذُوهُما"، و"فَأَمْسِكُوهُنَّ"، لم ينسخه خبر عبادة، وإنما نسخه الذي في النور، فكان ذلك شاملا للبكر والثيب جميعا على وجه واحد، فإن الثيب أكثر من يصدر منهم الزنا، فكيف لا يتعرض لهن" (9).

المهم أن الآيات القرآنية التي تحدثت حديثا صريحا عن عقوبة الزنى بأنواعه، لا يوجد فيها مطلقا نص على الرجم، سواء للبكر أو للثيب من الرجال والنساء، وكل الاستدلالات عن أحاديث، اختلف فيها هل جاءت بعد سورة النور، أم قبلها، والنقاش يدور حول هل أحاديث آحاد تنسخ آيا من القرآن الكريم؟!

فآية سورة النور جاءت واضحة بينة في العقاب الدنيوي للزناة جميعا، وكان الحديث فيها حديثا شديدا كما بين الكيا الهراسي، لا يحتمل عقوبة مؤجلة غيرها، وبخاصة أن القرآن الذي يفصل في أحوال العقوبة، لم يفصل في آية سورة النور، فمثلا: لم يتكلم القرآن عن أحكام الأرمل أو المطلق رجلا أو أمرأة، وهو أمر مهم، فلا نعلم في أحكام القرآن إذا تميزت أحكام المرأة عن الرجل، أو أحكامهما معا بحكم حالهما، إلا وبينها القرآن، فمثلا: رأينا أحكاما للمرأة تخص العدة، والحداد، والميراث، وخلافه، فيما تمايزت فيه المرأة عن الرجل.

فالواضح من سياق الآيات، أن القرآن الكريم في حديثه عن العقوبة، لم يشر من قريب أو بعيد إلى الرجم، لا تصريحا ولا تلميحا، ولكن من قالوا بأن الرجم عقوبة شرعية باقية، وليست منسوخة، ليست تعزيرا خارج إطار الحد، استدلوا بنصوص أخرى تعضد موقفهم الفقهي، ومنها: أن هناك آية تسمى "آية الرجم"، نسخت تلاوة وبقيت حكما، أي حكم يطبق بلا نص يتلى ويقرأ، فهل يوجد في القرآن آية باسم "آية الرجم"؟ هذا ما نناقشه في مقالنا القادم إن شاء الله.

__________
الهوامش:
(1) رواه أحمد (352) وصحح إسناده محققو المسند (1/427).
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/354).
(3) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (1/374).
(4) يراجع كتب التفسير المهمة كتفسير: الطبري، والقرطبي، وزاد المسير لابن الجوزي، والتحرير والتنوير لابن عاشور، وتفسير المنار، والتفسير الحديث لدروزة، والتفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب، وكتب تفسير الأحكام مثل: أحكام القرآن لابن العربي والجصاص والكيا الهراسي وغيرهم.
(5) رواه أحمد (5/318) ومسلم في صحيحه (1690).
(6) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (2/35).
(7) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (2/36).
(8) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (2/36).
(9) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (377-1/378).

[email protected]

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك