هل تجاوز الأردن المنعطفات الحادة ؟

قالت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام والناطقة الرسمية باسم الحكومة الأردنية، جمانة غنيمات "إن الأردن بدأ يخرج تدريجيا من الأزمة الاقتصادية التي عانى منها خلال الأعوام الماضية"، وهو تصريح قدمته أمام مجموعة من القيادات الشبابية في مقر رئاسة الوزراء؛ لتعلن أن الحكومة أنجزت 70في المئة من أهدافها المعلنة.

لم يمض يومان على تصريحات الناطقة الرسمية غنيمات؛ حتى خرج وزير التخطيط محمد العسعس بتصريح مهم قال فيه: إن نسبة البطالة ارتفعت في الربع الأول من العام الحالي (2019) إلى 19في المئة، علما بأنها كانت في الربع الأخير من العام الماضي 18.7 في المئة.

تصريح وزير التخطيط يتضارب بالمطلق مع تصريح الناطق الرسمي غنيمات؛ فالبطالة تعد أحد أكثر المؤشرات الاقتصادية مصداقية وتعبير عن عافية الاقتصاد، خصوصا وأنها أحد اهم المعارك التي خاضتها الحكومة على مدى أشهر مع حراكات ومسيرات مطلبية تركز على البطالة وتعتصم أمام الديوان الملكي لأسابيع. فهل تلاشي السبب في تصريح الوزيرة؟ أم أنها الأرقام؟ أم أنه المناخ السياسي المحلي والإقليمي؟

المؤشرات لا تتوقف عند حدود البطالة، فالعجز في الموازنة العامة ارتفع إلى 485 مليون دينار، بزيادة تقدر بـ50 مليون دينار عن الفترة ذاتها للعام 2018. كما ارتفعت المديونية لتلامس حاجز الـ30 مليار دينار (ما يفوق الـ40 مليار ودولار أمريكي، أو ما يعادل 95 في المئة من الناتج القومي الإجمالي، في حين لم تتخط نسب النمو المعلنة 2 في المئة.

الأهم من ذلك كله، أنه ورغم الاتفاقات الاقتصادية الموقعة مع العراق، فإن حجم التبادل التجاري تراجع بنسبة 7 في المئة. فالأزمة الاقتصادية لا زالت في ذروتها، ورغم الجهود المبذولة؛ تتعمق وتهدد بنية الاقتصاد والمجتمع الأردني.

 

الأرقام المذكورة تثير الاكتئاب والقلق، غير أن المنعطفات التي واجهها الأردن لم تقتصر على الشق الاقتصادي، اذ واجه منعطفا سياسيا ذا طابع إقليمي؛ كاد أن يعصف بآمن واستقرار المنطقة بأكملها، تمثل بصفقة القرن

لا شك في أن الأرقام المذكورة تثير الاكتئاب والقلق، غير أن المنعطفات التي واجهها الأردن لم تقتصر على الشق الاقتصادي، اذ واجه منعطفا سياسيا ذا طابع إقليمي؛ كاد أن يعصف بآمن واستقرار المنطقة بأكملها، تمثل بصفقة القرن، والإعلانات المتكررة لمستشار الرئيس ترمب وصهرة جاريد كوشنير عن نيته الإعلان عن خطته للسلام في نهاية رمضان الفائت بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية (لم يتحقق)، لتدخل المنطقة في منعطف لا يقل خطورة؛ بالقفز على الحقوق السياسية نحو المشاريع الاقتصادية التطبيعية، بالإعلان عن الشق الاقتصادي لــ"صفقة القرن"، لتضع البلاد على حافة المواجهة مع الإدارة الأمريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

المنعطفات المتتابعة التي واجهها الأردن؛ تبعها منعطف التصعيد الإقليمي الواسع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، في أعقاب إلغاء الاستثناءات الست (تايوان كوريا الجنوبي والهند والعراق وإيطاليا وتركيا) من العقوبات الأمريكية على طهران، وهي إجراءات وضعت المنطقة على الحافة، وقادت إلى مزيد من الاضطراب في الإقليم؛ عمل الأردن جاهدا على تجنب الانخراط فيها، والاكتفاء بإدانة حوادث العنف المتبادل بين الأطراف المتصارعة.

الأردن لم يتجاوز منعطفة الاقتصادي في الجوهر، ولكنه تمكن من تخطي المنعطفات السياسية الحادة؛ بدءا بصفقة القرن وورشة المنامة وأزمة الملف النووي وتصاعد التوتر في الخليج العربي وحرب اليمن، بحيث قدم نفسه كأكثر الدول استقرارا؛ بما سمح بارتفاع عدد السياح إلى 17 في المئة مقارنة بالعام الماضي. فالأردان يعد الأكثر استقرار، والبديل الأمثل في إقليم يعاني من الحروب والأزمات. فالسياحة لعبت في النصف الأول من هذا العام دور كبيرا في رفع معدل النمو المتوقع، من 1.5 في المئة إلى 2 في المئة، لكنها نسبة غير مستقرة. فالسياحة لا تعد من القطاعات الإنتاجية المستقرة والمستدامة؛ لكنها تعكس مزاجا استثماريا إيجابيا. فالأرقام تؤكد تباطؤ التراجع في الاستثمارات إلى المملكة، وهو مؤشر إيجابي وجدّي.

 

الأردن لم يتجاوز منعطفة الاقتصادي في الجوهر، ولكنه تمكن من تخطي المنعطفات السياسية الحادة؛ بدءا بصفقة القرن وورشة المنامة وأزمة الملف النووي وتصاعد التوتر في الخليج العربي وحرب اليمن

تعاطى الأردن مع العديد من المنعطفات الخطرة، كحراك الدوار الرابع أمام مجلس الوزراء في رمضان 2018، والذي اطاح بحكومة الملقي. وقد تواصلت الرابع لكنها لم تنجح؛ بسبب تبدل المزاج الشعبي، وتنامي التحديات الإقليمية المحيطة في البلاد، وانضمام القوى السياسية الرئيسية في البلاد، وعلى رأسها الحركة الاسلامية، إلى مربع المواجهة للتحديات الإقليمية؛ وهو أمر حصن الجبهة الداخلية، وأحبط المحاولات الخارجية لإثارة الفوضى والاضطراب وإعادة الثقة للسياسة الأردنية في بعدها الإقليمي.

منعطفات أفضى تجاوزها إلى خطوات أكثر عملية وجرأة؛ ، عبر تبادل السفراء وعلى أرفع المستويات، إذ كُلف أمين عام وزارة الخارجية زيد اللوزي بتولي منصب سفير في الدوحة، في حين رشحت قطر الأمير سعود آل ثاني كسفير في عمان؛ لتصيف هذه الخطوة بعدا جديدا للسياسة الأردنية؛ يتيح لها فاعلية أكبر للمناورة الاقتصادية والسياسية.

ختاما: لم تتوقف الأجواء والمناخات المتغيرة على تبادل السفراء مع قطر، إذ تضاءلت مخاطر المنعطفات والضغوط التي تواجهها عمّان أمام حالة عدم اليقين التي تواجهها قوى إقليمية في الخليج العربي؛ تعيش حالة انتقالية بين عهدين كما يحدث في السعودية أو، أنها نتاج لتصاعد التوتر في الخليج العربي والانتقادات الناجمة عن حرب اليمن لدول التحالف العربي. والحال ذاته في مصر وليبيا والسودان؛ والكيان الإسرائيلي الذي يواجه تحديات متصاعدة في سوريا، بل والعراق وقطاع غزة، ويعجز عن تشكيل حكومة جديدة، في حين أن الأردن يبدو الدولة الأكثر استقرارا وحيادية في هذه الصراعات، ونقطة الارتكاز الأساسية لكل الأطراف المتصارعة، وهي ميزة بدأت تتضح يوما بعد آخر.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك