أهي دعوة للتطرف والانحراف السياسي؟!

فاجأت وزارة العمل اللبنانية الفلسطينيين وعموم اللبنانيين، بقرارها منع اللاجئ الفلسطيني من العمل إلا بإجازة مُسبقة، تُمنح عادة حسب القانون اللبناني للأجانب الراغبين بالعمل لدى القطاع الخاص، بكلفة مادية مرتفعة لا تتناسب مع إمكانات اللاجئين عموماً.

يأتي هذا القرار بالتزامن مع قرار الوزارة منع السوريين أيضاً من مزاولة العمل على الأراضي اللبنانية، لدفعهم للعودة إلى سوريا تحت ضغط ارتفاع كلفة تراخيص العمل، وبذريعة عودة الهدوء إلى الأراضي السورية، وبأن أولوية فرص العمل المتاحة هي للبنانيين الذين يعانون من ارتفاع معدلات البطالة في ظل ركود اقتصادي حاد تعيشه الدولة اللبنانية.

 

وفي قراءة سريعة لقرار الوزارة وللإجراءات المتخذة، التي ما زالت آثارها تتداعى على الساحة اللبنانية، يمكن رصد الملاحظات التالية: 

أولاً: الفلسطيني موجود في لبنان قسراً منذ عام 1948 بسبب الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه، وهي حالة مستدامة إلى أن تتم عودته إلى وطنه وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة (194، و302)، وذلك عكس السوري الذي يتمتع بالمواطنة والأهلية القانونية، وفي وسعه العودة متى شاء، بدون إكراه وفقاً لظروفه الشخصية، مع تقديرنا لأوضاع الأشقاء السوريين الحرجة بسبب الأزمة القائمة.

ثانياً: توقيت القرار يثير الشكوك لدى المراقبين، حيث إنه أتى في وقت تحاول فيه واشنطن التضييق على وكالة "الأونروا" التي يقع على عاتقها رعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والأردن، وسوريا، والضفة الغربية، وقطاع غزة حتى عودتهم إلى ديارهم التي هجّروا منها قسراً. وإذا كانت خدمات "الأونروا" في تراجع بسبب الضغوط الصهيوأمريكية، فإن قرار وزارة العمل اللبنانية، بقصد أو بغير قصد، أصبح يخدم التوجّه الأمريكي في التضييق على الفلسطينيين لدفعهم لقبول صفقة القرن والتوطين بديلاً عن العودة، وهو الأمر الذي يتعارض أصلاً مع قرار الدولة اللبنانية برفضها صفقة القرن والتوطين..؟!

ثالثاً: القرار لا يُعفي وزارة العمل والحكومة اللبنانية من المسؤولية عن التداعيات والآثار الكارثية التي قد تقع؛ فاللاجئ الفلسطيني مُنعدم الخيارات؛ فلا هو يستطيع العودة إلى وطنه، ولا يستطيع السفر أصلاً من لبنان إلى دولة ثالثة بحكم وثيقة السفر التي يحملها والتي لا تخوله دخول أي بلد إلا بشق الأنفس، ما يعني أن قرار الوزارة سيزيد العبء النفسي والمادي على اللاجئ الفلسطيني المحروم أصلاً من مزاولة نحو 60 وظيفة بموجب القرار رقم 189 الصادر عن وزارة العمل اللبنانية بتاريخ 1982.. ما قد يدفع اللاجئ إلى التطرّف أو الانحراف السياسي بسبب انسداد الأفق وازدياد البطالة التي وصلت نسبتها قبل صدور قرار الوزارة إلى 56% في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، وفي ذلك انعدام للمصلحة بحكم شيوع الضرر.


من منظور آخر، وفي سياق الحديث عن الاقتصاد اللبناني واللاجئ الفلسطيني، أفاد تقرير صادر عن المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، في 15 تموز/ يوليو 2019، بأن تحويلات الفلسطينيين في الخارج لأسرهم في لبنان تقدر بنحو 62 مليون دولار سنوياً، وبأن معظم مداخيل اللاجئين الفلسطينيين يتم صرفها أو ادخارها في الاقتصاد اللبناني حيث تقدر بحوالي 10% من إجمالي الاستهلاك الخاص، وبأن 1 من 4 لاجئين فلسطينيين هم إما أصحاب عمل أو يعملون لحسابهم الخاص، ما يشير إلى حيوية الفلسطيني وقدرته على الإسهام في تنشيط الدورة الاقتصادية اللبنانية رغم حجم الضغوط والظروف القاسية التي يتعرض لها، هذا ناهيك عن الحديث بأن العديد من المصارف والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة تعود ملكيتها لفلسطينيين يحملون الجنسية اللبنانية.


إن مصلحة لبنان تكمن في دعم اللاجئ الفلسطيني ليحيا حياة كريمة يتمكن من خلالها الصمود في مواجهة مشاريع التوطين، لا أن تتخذ ضده سياسات تعسّفية تؤدي إلى إحباطه وقبوله بمخططات الاحتلال الإسرائيلي الرامية لتوطينه في لبنان ودول الجوار.


وهذا في حد ذاته مدعاة لأن تتخذ الحكومة اللبنانية قراراً بوقف إجراءات وزارة العمل، وبأن تواصل دعمها لجهود لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني المنعقدة بقيادة معالي الوزير حسن منيمنة، والمدعومة من كافة الأفرقاء اللبنانيين، لإفساح المجال للوصول إلى تفاهمات تَحْمي حق الفلسطيني في حياة كريمة حتى العودة، وتحمي لبنان من التوطين والصفقات المشبوهة. 

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك