أمريكا بعيون زائر من غزة (9-9)

يخشى أمثالنا، ممن نشأوا في بيئات محافظة، من أجواء الحرية الفردية التي تميز الثقافة الغربية؛ لأنها قد تقود إلى إضعاف رابطة الأسرة التي تتسم بها الأسرة الشرقية، وكثيراً ما يعبر المغتربون عن خشيتهم من ضياع هوية أبنائهم.. والحقيقة أن التحدي الذي يفرضه نمط الثقافة الغربية في الحريات الفردية يقتضي مواجهته بشجاعة، فالحرية الفردية ستهوي بالتأكيد ببعض العلاقات الأسرية، لكنها ستتيح للفرد التعبير عن جوهره بأصالة متحرراً من إكراهات المجتمع. وحقيقة الفرد تتمثل في اختياراته الحرة، وليس في المواقف التي اضطر إلى اتخاذها إذعاناً لرغبة الوسط المحيط.

أتفهم خوفنا من نمط الحياة الثقافية الغربية، فنمط الحياة هو جزء من شعور الإنسان بذاته، والعرب ليسوا استثناءً في ذلك، فثقافات الأرض لها أنماط متعددة في طريقة الحياة، وأفريقيا أو الصين أو بلاد فارس لها أنماط ثقافية لا تشبه النمط الغربي. فالثقافة الغربية ليست نهاية التاريخ، لذلك فإن العلاقات الإنسانية يجب أن تحترم التعدد الثقافي، والانفتاح المفاجئ للمجتمع المحافظ يضر باستقراره النفسي والاجتماعي.

في ذات الوقت، فإن المبالغة في الحديث عن الخصوصية الثقافية يحرمنا من إثراء تجربتنا عبر الانتفاع بحكمة الآخرين. والقيمة التي يمكن الانتفاع منها في الحريات الفردية التي تتسم بها الثقافات الغربية؛ هي أنها تعزز من قيمة الحب في العلاقات العائلية بديلاً عن التسلط، فالأب يعلم أنه لن يستطيع إلزام ابنه أو ابنته بمعاييره لأن القانون سينحاز إلى الابن كونه فرداً حر التصرف، فلا يجد الأب أو الأم سبيلاً للاحتفاظ بالابن سوى مد جسور الحب والحوار واحترام اختياره الشخصي.

في أمريكا يتراجع حضور الأسرة الممتدة، فالأبناء يسكنون غالباً بعيداً عن الآباء، وهذه الظاهرة لا يكفي تفسيرها من منظور قيمي، بل إن هناك سبباً اقتصادياً يتمثل في التحولات الاقتصادية التي تدفع الناس إلى التنقل المستمر بين المدن والولايات، وتعلي من قيمة الفردانية، إذ إن الفرد، شاباً أو فتاةً، مستقل اقتصادياً وهو في سعي دائم  بحثاً عن عمل، لذلك يقل اعتماده على أبويه ويقل تواجده معهم بسبب طبيعة الحياة الاقتصادية التي انعكست على البنية الاجتماعية.

في النتيجة، فإن الاقتصاد أكثر ديناميةً، والفرد أقدر على تحقيق ذاته، لكن مشهد الأبوين وهما يسكنان في البيت وحدهما وقد بلغا من الكبر عتياً؛ يثير الشفقة، وهو ما يعطي الأسرة الشرقية ميزةً بالعاطفة الحميمية التي يجدها الإنسان في كبره من قبل أبنائه وأحفاده. والحكمة تتمثل في صيغة تعطي الابن حريته وقدرته على تحقيق ذاته دون وصاية من السلطة الأبوية، وفي ذات الوقت تعطي الأب والأم العاطفة والتقدير والوفاء في نهاية حياتهم.

تراجع السلطة الأبوية ليس في البيت وحده، بل في بيئة العمل التي تحولت من ثقافة الهرمية إلى ثقافة الفريق، ففي كثير من المؤسسات تتغير ثقافة العمل من الهرمية العمودية الى الأفقية التشاركية، حيث يشعر جميع أفراد العمل بأنهم متساوون ويسود بينهم روح الفريق. لقد لبثت أتردد على مكتب "AFSC"   في شيكاغو أكثر من أسبوعين، ولم أكتشف هوية المدير إلا بالصدفة بعد هذا الوقت الطويل؛ حين دعاني إلى تناول طعام الغداء معه. كنت أراه إنساناً بسيطاً لا يميزه شيء عن بقية الموظفين، يذهب إلى المطبخ  ليصنع بنفسه كوباً من الشاي أو يعد بنفسه طعام الإفطار.

العمل بروح الفريق يقوي الانتماء إلى المؤسسة، ويعزز أصوات أعضاء الفريق الأكثر ضعفاً، ويجعل حيز العمل آمنا ومريحاً للعاملين فيه. 

تمثل قضية الشواذ جنسياً نقطةً محوريةً في التباين الثقافي بين المسلمين والحضارة الغربية، فالدفاع عن حقوق الشواذ جنسياً في ممارسة اختياراتهم في الغرب تمثل تصالحاً مع فلسفة الحريات الفردية، بينما يمثل رفض إعطاء شرعية لهذه الممارسات في منظور الثقافة الإسلامية؛ التصالح مع الفطرة الإنسانية التي تضيف إلى جانب المتعة في العلاقات الجنسية جانب الغاية المتمثلة في تكاثر الجنس البشري وإعمار الأرض.

هذه القضية تمثل موطن حرج حقيقي، ومما يزيد الحرج فيها أن كثيراً من المدافعين عن حقوق الشواذ هم أنفسهم المدافعون عن قضية فلسطين، فهم يعتبرون الدفاع عن كلا القضيتين يمثل انحيازاً إلى مبدأ الحرية، وفي أكثر من قاعة زرتها كان علم فلسطين معلقاً على الجدار وبجواره علم الشواذ، والسياسيون المعروفون بمواقفهم الإيجابية من قضايانا السياسية مثل بيرني ساندرز في أمريكا وجيرمي كوربن في بريطانيا، مدافعون بقوة عن حقوق الشواذ.

الصراع في هذه القضية يتلخص في الفرق بين مفهوم الحرية المطلقة الذي يعطي كل إنسان الحق في الاختيار في الحياة، ما لم يضر غيره وبين مفهوم الحرية المضبوطة بالبعد الأخلاقي التي تتبناها ثقافتنا. وأياً كان الحكم الفاصل في المسألة، فإن بوسعنا أن نتعاون في مساحات مشتركة كثيرة في النضال من أجل الحرية والعدالة ورفض الظلم.

في أمريكا لا يزال هناك طريق طويل للكفاح من أجل العدالة الاجتماعية، فمشاهد مثل الفقراء الذين يبيتون في الشارع بلا مأوىً (HOMELESS)، وقصص احتجاز اللاجئين على حدود المكسيك في ظروف إنسانية قاسية وفصل الأطفال عن أمهاتهم، وتدني أجور العمال في قطاعات خدمية.. كل ذلك يمثل صرخةً بأن قوة الدولة السياسية والاقتصادية لا تعني بالضرورة نجاحها في ميدان العدالة وتقليص الفجوات الطبقية.

كان مما فاجأني ظاهرة الإكرامية "البقشيش" في المطاعم، كنت أظن قبل ذلك أن هذه الظاهرة مقتصرة على مصر، لكنها متفشية في أمريكا أيضاً، وهي إعطاء العامل مبلغاً إضافياً لقاء خدمته خارج حساب الفاتورة، وهذه الظاهرة تؤشر على أن هؤلاء العمال لا يتقاضون أجوراً كافيةً تسد احتياجات حياتهم وتصون كرامتهم الإنسانية، فيلجأ الناس إلى تعويض هذا الاختلال بالبقشيش.

أياً كانت السلبيات التي يمكن للزائر أن يرصدها في تفاصيل الحياة الأمريكية، فإن من الأنفع لنا نحن العرب في طريق البحث عن كيان حضاري لنا؛ أن نبحث عن مواطن القوة كي نستفيد منها، والدولة الأمريكية لم تكن بهذه القوة لولا مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية.

لعل أحد أسباب نجاح الولايات المتحدة يعود إلى التنوع الهائل في الخلفيات الثقافية والاجتماعية والدينية والعرقية، والتسامح مع هذا التنوع، إذا ما استثنينا الحرب التي يخوضها اليمين المتطرف الذي يقوده ترامب ضد هذا التنوع، واعتباره تهديداً. كذلك من عوامل القوة في الثقافة الأمريكية تراجع الأبوية والهرمية لصالح المجموع، وإحساس الفرد بقيمته كفرد لا عضو في قطيع، وكذلك ثقافة العمل والاهتمام بالإنجاز أكثر من المظاهر الكاذبة، والاهتمام بالعلم والقراءة، هذه العوامل وغيرها تجعل من الشخصية الأمريكية في عمومها شخصيةً جادةً كادةً في العمل تهتم بالإنجاز والإبداع.

متابعة القراءة

مشاركة:

اترك تعليقك